النخبوية

يطرح مفهوم النخبوية في المجتمع باعتباره من أكثر المفاهيم التي تثير الجدل، خصوصا حين يرتبط بالتمييز أو الامتياز. فهل النخبة هي فئة ولدت في ظروف معينة جعلتها في موقع متقدم؟ أم هي فئة صنعت مكانتها بالاجتهاد والمعرفة والعمل؟

في كثير من الأحيان يتم تعريف النخبة انطلاقا من الانتماء بالولادة أو بالسلالة، ثم بالوراثة التلقائية التي تنتج عنها ثلاثية الثروة والجاه والمكانة الاجتماعية، أو على الأقل أحد هذه العناصر. وهنا تصبح النخبوية حالة موروثة أكثر منها نتيجة كفاءة أو مجهود شخصي، مما يخلق شعورا لدى فئات واسعة بأن الفرص غير متكافئة، وأن الطريق إلى التميز ليس مفتوحا للجميع.

هذا النوع من النخبوية يفرز مسافة نفسية واجتماعية بين فئات المجتمع، حيث يشعر البعض بأنهم خارج الدائرة مهما بذلوا من جهد، بينما ينظر إلى آخرين باعتبارهم نخبة فقط بحكم الأصل أو البيئة التي ينتمون إليها. ومع مرور الوقت يتحول هذا الإحساس إلى نوع من الإحباط الجماعي، ويفقد المجتمع جزءا من حيويته وقدرته على التجدد.

في المقابل، هناك تصور آخر للنخبوية يقوم على الكفاءة والمعرفة والاجتهاد. في هذا التصور لا تمنح المكانة بسبب النسب أو الخلفية الاجتماعية، بل تكتسب عبر العمل والتعلم وتحمل المسؤولية. نخبة من هذا النوع لا تنغلق على نفسها، بل تساهم في تطوير المجتمع وتشارك خبرتها مع الآخرين، وتكون مصدر إلهام لا أداة إقصاء.

الإشكال إذن ليس في وجود نخبة من عدمه، بل في الأساس الذي تبنى عليه هذه النخبة. فحين تكون قائمة على الجدارة تصبح عنصر توازن وتقدم، أما حين تبنى على الامتياز الموروث فإنها تتحول إلى حاجز نفسي واجتماعي يعمق الفوارق ويضعف روح الانتماء.

في النهاية، المجتمع السليم هو الذي يفتح المجال أمام جميع أفراده ليصعدوا بجهدهم وكفاءتهم، لا بأسمائهم أو أصولهم. فالنخبوية الحقيقية ليست لقبا، بل مسؤولية، وليست تمييزا، بل قيمة تقاس بما تقدمه للآخرين لا بما تحتكره لنفسها.

شارك المقال
  • تم النسخ
تعليقات ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)