المحامي بهيأة الرباط قال إن الصراع القانوني بين التيار المحافظ والتيار الحداثي في المغرب ليس صراعا بين اتجاهين جامدين
يشهد المغرب منذ الاستقلال إلى اليوم نقاشات وتفاعلات كثيرة وكبيرة بين قطبين رئيسيين في الحقل القانوني والفكري، التيار المحافظ والتيار الحداثي. ويرى محمد الهيني، المحامي بهيأة الرباط، أن هذا التفاعل يترجم في الغالب إلى صراعٍ حول هوية المنظومة الدستورية والقانونية وحدود الإصلاح والمراجعة الممكنين داخل بنية سياسية ودستورية تؤكد في آن واحد على مرجعية الإسلام والالتزام بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا، إذ يعد هذا التوتر أحد أبرز العوامل التي تؤثر في مسارات التشريع والسياسات العمومية والتأويل الدستوري في المغرب المعاصر.
ويؤكد المحامي أن الصراع القانوني بين التيار المحافظ والتيار الحداثي في المغرب ليس صراعا بين اتجاهين جامدين، بقدر ما هو مسار تاريخي دينامي يعكس التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي يعرفها المغرب، فهو صراع بين رؤية تعلي من استمرارية المرجعية التقليدية، وأخرى ترى أن تحديث القانون شرط لازم لبناء مجتمع ديمقراطي عصري.
المرجعية الدستورية وأولوية الطابع الديني أو الحقوقي
يؤكد محمد الهيني، المحامي بهيأة الرباط أن الاختلاف حول مرجعية القانون يمثل المحور المركزي لهذا الصراع، فالتيار المحافظ يدافع عن أولوية المرجعية الدينية واستمرارية الفقه المالكي باعتباره جزءا من الثوابت الوطنية، ويعتبر أن الإصلاح القانوني يجب ألا يتجاوز الحدود التي ترسمها الشريعة باعتبارها حسب تصوره الأصل في كل تشريع. بالمقابل، يضيف المحامي أن التيار الحداثي يستند إلى منطلقات القانون المدني والمواثيق الدولية ويعتبرها هي الأصل وليس الشريعة في كل تشريع، ويعتبر أن تحديث المنظومة القانونية وعصرنتها يقتضي التحرر النسبي من المرجعية الفقهية وإعمال مقاصد الدستور في اتجاه ترسيخ إعمال الاتفاقيات الدولية وتفعيل حقوق الإنسان وترسيخ الحريات.
قانون الأسرة وتحديات التحديث
تعتبر مدونة الأسرة المجال الأكثر اشتعالا في الصراع بين الحداثيين والمحافظين، وفي هذه النقطة يبرز المحامي الهيني أنه بينما يرى المحافظون أن أحكام الأسرة جزء لا يتجزأ من الشريعة وأن أي تغيير جذري لها يعد مسا بالثوابت، يدعو الحداثيون إلى مراجعات جذرية غير دينية تعتمد المنطق الكوني والحقوقي تشمل منع التعدد، وحظر زواج القاصرات، وإقرار المساواة في الإرث، وإلغاء التعصيب، وتمكين المرأة من الولاية على نفسها، إذ تبرز هنا مدونة الأسرة كمرآة للتجاذب بين التصورات التقليدية للأدوار الأسرية والتصورات الحديثة القائمة على المساواة والاستقلالية الفردية.
الحريات الفردية وإشكاليات التجريم والعقاب
يمتد الصراع بين المحافظين والحداثيين إلى المنظومة الجنائية، وفي هذه النقطة يؤكد محمد الهيني، أن التيار المحافظ يصر على الإبقاء على تجريم العلاقات الرضائية خارج الزواج، وتجريم الإفطار العلني في رمضان، وإبعاد التشريع الجنائي عن الدين وتركه في حدود المعاملات لا العبادات، والحفاظ على العقوبات المتعلقة بالإجهاض والإبقاء على عقوبة الإعدام، بينما يعتبر التيار الحداثي أن هذه النصوص تقيد الحرية الشخصية وتنتهك الحق في الحياة والسلامة وحرية التدين، ومبدأ عدم تدخل الدولة في الحياة الخاصة، ويدعو إلى رفع التجريم وتبني مقاربة حقوقية عقابية، واعتماد مقاربة حمائية للصحة الإنجابية والحقوق الفردية.
المواثيق الدولية لحقوق الإنسان
يعكس النقاش حول أولوية المواثيق الدولية بعد مصادقة المغرب على عدد من الاتفاقيات العالمية بعدا آخر لهذا التوتر، فالتيار المحافظ حسب الهيني يتحفظ على البنود التي تعارض أحكاما شرعية، خصوصا في مجال المساواة ومقاربة النوع وحماية حقوق المرأة والطفل. أما التيار الحداثي فيرى أن التزامات المغرب الدولية تفرض ملاءمة تشريعاته مع المعايير الكونية الحقوقية، وأن احترام حقوق الإنسان لا ينبغي أن يقدم خيارا انتقائيا بل يكون التزاما دستوريا.
الهوية الدستورية والتأويل
يعكس الصراع تباينا في تأويل الدستور نفسه، فبينما يركز المحافظون حسب الهيني، على هوية الدولة دولة إسلامية، يبرز الحداثيون القراءة التي تجعل من “الاختيار الديمقراطي” و”سمو المواثيق الدولية” ركيزتين لتطوير التشريع. وقد نتج عن هذا التباين تعدد في التأويلات القضائية والسياسية، خصوصا في مجالات الأسرة والحقوق الفردية.
انعكاسات الصراع على الحقل السياسي والاجتماعي
يرى الهيني أن الصراع بين الحداثيين والمحافظين يتجاوز حدود النص القانوني ليؤثر في السياسات العامة، والنقاشات البرلمانية، وتوجهات الأحزاب، ونشاط المجتمع المدني وعمل المنظمات الحقوقية. فهو حسب رأيه يعكس في العمق جدلية بين تقليدانية الهوية وحداثة الدولة، ويعيد طرح سؤال التوفيق بين متطلبات الانفتاح العالمي والحفاظ على المرجعية الثقافية والدينية المحلية، وهو ما يجعل الدولة المغربية تواصل البحث عن توازن دقيق يحافظ على الثوابت من جهة، ويستجيب لمتطلبات الإصلاح من جهة أخرى، مضيفا أنه لابد من الإشارة إلى ديباجة الدستور المغربي وإلى فصله 175 الذي يعكس أهمية الحفاظ على التداخل والتفاعل بين المنظومتين الدينية والحقوقية بتفاعل وانسجام قل نظيره في إطار إمارة المؤمنين حينما اعتبر أنه ” لا يمكن أن تتناول المراجعة الأحكام المتعلقة بالدين الإسلامي، وبالنظام الملكي للدولة، وبالاختيار الديمقراطي للأمة، وبالمكتسبات في مجال الحريات والحقوق الأساسية المنصوص عليها في هذا الدستور”.
عن جريدة الصباح

تعليقات ( 0 )