في ظل تزايد الأصوات المحذرة من المخاطر البيئية المحدقة بالفرشة المائية بمدينة مراكش، تعود قضية فوضى حفر الآبار بجهة مراكش-آسفي إلى واجهة النقاش العمومي، وسط تساؤلات حارقة عن الجهات التي تتحمل مسؤولية هذا الوضع المقلق، وعن غياب رد فعل ملموس من الحوض المائي بمراكش، الجهة المفترض بها حماية الثروة المائية بالجهة
ورغم التوجيهات الملكية التي ما فتئت تُشدد على ضرورة الحفاظ على الموارد المائية وترشيد استخدامها، وتعليمات الحكومة بمحاربة كافة أشكال الاستنزاف والعشوائية، إلا أن ما يجري على الأرض يكشف عن تناقض صارخ بين الشعارات الرسمية والممارسة اليومية، حيث باتت منطقة النخيل تشهد تفشيًا مثيرًا لحفر الآبار بطرق غير قانونية، بعضها يتم نهارًا جهارًا، وباستعمال آليات ثقيلة دون أي تدخل يُذكر من السلطات.
وفي خضم هذا الوضع، تتجه الأنظار نحو رئيس قسم الشؤون الداخلية بعمالة مراكش، الذي يرى متابعون محليون أنه يتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية الإدارية في تفاقم هذا الملف، في ظل ما وصفوه بـ”الشلل التام” في مواجهة هذه الظاهرة، في حين اخرون يرون ان “انعدام التنسيق الفعلي مع الحوض المائي”، وهي المؤسسة التي يبدو أنها فقدت القدرة – أو الإرادة – على التفاعل مع شكاوى المواطنين.
من جهة أخرى، عبّر العديد من المواطنين والفاعلين الجمعويين عن امتعاضهم الشديد من عدم تجاوب الرقم الأخضر التابع للحوض المائي بمراكش، والمخصص للتبليغ عن المخالفات المتعلقة بحفر الآبار. حيث أشاروا إلى محاولاتهم المتكررة للتواصل وتبليغ حالات موثقة لحفر آبار غير قانونية، لكنها قوبلت بصمت مطبق، ما دفع بالبعض إلى طرح فرضية التواطؤ أو المحاباة، في ظل غياب أي أثر لتدخلات ميدانية أو إجراءات رادعة.
الأخطر من ذلك، أن هذه التجاوزات تحدث في سياق جفاف مزمن تمر به البلاد، وتراجع حاد في منسوب الموارد المائية، ما يجعل من كل بئر عشوائي بمثابة رصاصة أخرى في جسد الأمن المائي الجهوي، بحسب توصيف عدد من المتخصصين. كما أن استمرار الحفر بهذه الطريقة ينسف الجهود الرسمية الرامية إلى اعتماد حكامة رشيدة للموارد الطبيعية، ويبعث برسائل سلبية حول فعالية المؤسسات المعنية بالمراقبة.
في ظل هذا الوضع، تتعالى الدعوات من مختلف فعاليات المجتمع المدني بمدينة مراكش من أجل:
* تدخل عاجل لوالي جهة مراكش آسفي لفتح ملف الآبار العشوائية بجهة مراكش-آسفي.
* التحقيق في أداء الرقم الأخضر ومدى تجاوبه مع شكايات المواطنين.
* مساءلة الحوض المائي عن غيابه شبه التام عن الميدان، وتوضيح أسباب الفتور الإداري في التعامل مع ملف بالغ الأهمية.
* تعزيز التنسيق بين السلطات المحلية ومصالح المياه لضمان تدخلات استباقية وفعالة.
* تفعيل الآليات القانونية في وجه كل من تورّط في هذه التجاوزات، سواء بالتنفيذ أو بالتواطؤ أو بالتقاعس عن أداء الواجب.
أخيرًا، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل ننتظر كارثة بيئية حقيقية كي نتحرك؟
أم أن الوقت قد حان لوضع حدّ للفوضى، وتفعيل التوجيهات الملكية الصارمة التي شددت في خطاب العرش الأخير على أن الماء هو مسؤولية الجميع، وعلى رأسهم المؤسسات التي اختُصّت بحمايته؟
إن استعادة ثقة المواطن في دور الحوض المائي، وفي جدية السلطات، يمر عبر ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتغليب الصالح العام على الحسابات الضيقة، قبل أن تفرغ الفرشة المائية… وتفرغ معها إمكانيات الإنقاذ.

تعليقات ( 0 )