في تطور يعكس عمق التوتر داخل الأغلبية المسيرة للمجلس الإقليمي لتارودانت، فشل المجلس، يوم الثلاثء 10 يونيو 2025، في عقد دورته العادية لشهر يونيو بسبب غياب النصاب القانوني، حيث لم يحضر سوى 13 عضوًا من أصل 27، في مؤشر مقلق على بلوغ الأزمة داخل المجلس مرحلة “البلوكاج” المؤسساتي.
ويأتي هذا التعثر وسط صراع مفتوح بين مكونات التحالف الحكومي المحلي، خاصة بين حزب التجمع الوطني للأحرار من جهة، وحزبي الأصالة والمعاصرة والاستقلال من جهة أخرى، على خلفية ما اعتبره الحزبان الأخيران “إقصاءً متعمّداً” من مكتب مجموعة الجماعات لحفظ الصحة بقطب أولاد التايمة، والذي سيطر عليه حزب الأحرار، ما دفعهما إلى إعلان فك الارتباط معه على مستوى الإقليم.
الصراع الذي ظل مكتومًا لشهور، تفجّر أخيرًا على خلفية التنافس السياسي الحاد، مهددًا ما تبقى من فترة التسيير التي لا تتجاوز السنة والنصف، ومعطلاً كل أفق لتفعيل المشاريع التنموية في ظل عجز مالي خانق يحد من قدرة المجلس على أداء أبسط اختصاصاته.
وكان عامل إقليم تارودانت، مبروك ثابت، قد وجه في أول لقاء له مع أعضاء المجلس خلال دورة ماي الماضي، رسائل مباشرة تطالب بمغادرة منطق الصراع السياسي والانكباب على معالجة الوضع المالي المقلق للمجلس، داعيًا إلى اعتماد مقاربة واقعية تقوم على ترشيد النفقات وتعبئة الموارد، وتجنب توقيع اتفاقيات تفوق قدرات المؤسسة ولا تجد طريقها إلى التنفيذ.
لكن رسائل العامل، التي لم يمضِ على توجيهها سوى أسابيع قليلة، قوبلت بتجاهل واضح من قبل أغلبية الأعضاء، الذين اختاروا الاصطفاف في معارك جانبية تحكمها منطق الحسابات السياسوية بدل الأولويات التنموية، ما أدخل المجلس في دوامة عطالة تنذر بتداعيات مؤسساتية واسعة.
فالأزمة التي انطلقت من داخل مجموعة الجماعات لحفظ الصحة، مرشحة للتمدد نحو مجلس جهة سوس ماسة وعدد من الجماعات الترابية بالإقليم، مما يضع استقرار التحالف الثلاثي (الأحرار، البام، الاستقلال) على المستوى المحلي والجهوي في مهب الريح.
وتجدر الإشارة إلى أن انتخابات 2021 أفرزت خريطة سياسية متوازنة داخل المجلس الإقليمي، بواقع 12 مقعدًا لحزب الأحرار، و6 مقاعد لكل من الاستقلال والبام، ومقعدين للعدالة والتنمية، ومقعد واحد للاتحاد الاشتراكي، ما يجعل التسيير رهينًا بتوافقات هشة سرعان ما تهاوت تحت ضغط الطموحات والمصالح الفئوية.
وفي ظل هذا الانسداد، تتزايد تساؤلات الشارع المحلي حول مستقبل المشاريع الاجتماعية والتنموية التي تُمني ساكنة المناطق الجبلية بالإقليم تنزيلها من طرف هذا المجلس، ومدى قدرة هذا الأخير على تجاوز منطق المناكفات السياسية نحو تحمل مسؤولية التسيير في لحظة تتطلب الوضوح والجرأة، لا الهروب إلى الأمام.
إن حالة “البلوكاج” ليس فقط سياسيا بل تنمويا، والتي يعيشها المجلس الإقليمي لتارودانت ليست مجرّد أزمة عابرة، بل هي مؤشر على غياب النضج السياسي في تدبير شؤون الإقليم، فالتنمية لا تُبنى على مواقف انتقامية ولا على تحالفات ظرفية تنهار عند أول خلاف، بل على تعاقدات صريحة ومسؤولة بين الفرقاء السياسيين، قاعدتها احترام إرادة الناخبين وتغليب الصالح العام.

تعليقات ( 0 )