واش حنا هوما حنا؟

في عز الأزمات المتلاحقة التي يعيشها المغاربة، وعلى رأسها الغلاء الفاحش الذي أصبح يخنق القدرة الشرائية للفئات الهشة والمتوسطة، خرج علينا البعض خلال الأيام القليلة الماضية بسلوك جماعي لا يمكن وصفه إلا بـ”الانفلات الاستهلاكي”. تهافت جنوني على شراء اللحوم الحمراء ورؤوس الأغنام والدواجن، في مشهد يتكرر كل سنة، لكنه هذه المرة تجاوز كل التوقعات، رغم القرار الملكي الصريح والواضح الذي يقضي بعدم ذبح الأضاحي هذه السنة بسبب الظرفية الاقتصادية الاستثنائية.

الواقع أن هذا السلوك لم يكن فقط غير منضبط، بل كشف حجم التناقض الذي نعيشه كمجتمع. الفئة التي تعاني أكثر من تبعات الغلاء، والتي تشتكي من ارتفاع أسعار اللحوم والخضر والمواد الأساسية، هي نفسها التي هرولت إلى المجازر والأسواق، بل ودفعت ضعف الأسعار، فقط لإشباع رغبة استهلاكية ظرفية، وكأننا نعيش انفصاما جماعيا في الإدراك.

الاحتكار موجود، نعم. المضاربون يعبثون بالأسواق، طبعاً. ولكن، لنسأل أنفسنا بكل صدق: من يخلق الطلب؟ ومن يغذي هذه “اللهطة” غير المبررة؟ وهل من المنطقي أن نتحول إلى مستهلكين مهووسين بلحظة العيد، ونغض الطرف عن الواقع المزري الذي نعيشه طيلة السنة؟ أليست هذه السلوكيات العشوائية هي ما يمنح الفرصة للوبيات السوق لرفع الأسعار وضرب استقرار السوق؟

القرار الملكي جاء في وقته، قرار دولة تحكمها الحكمة والعقل، وليس العاطفة. لكن ما حدث يكشف أننا نحتاج إلى ما هو أعمق من إصلاحات اقتصادية: نحن نحتاج إلى إصلاح ثقافي وسلوكي يضع المواطن في صلب المسؤولية، لا كضحية دائمة، بل كشريك في ما يقع.

المطلوب اليوم ليس فقط محاربة الفساد والمضاربين، بل أيضا مساءلة وعينا الجمعي. فمهما كانت السياسات عمومية، ومهما كانت الجهود رسمية، فإنها لن تؤتي أكلها إذا استمر المواطن في تكريس نفس أنماط الاستهلاك، وفي تسويق دور الضحية بينما هو من يساهم في صنع الفوضى بقراراته الفردية والجماعية.

نعم، الحكومة تتحمل مسؤوليات كبرى. والرقابة غائبة في كثير من المرافق. لكن لا يمكن أن نغفل أن جزءا كبيرا من المشكلة يكمن في غياب الوعي الجماعي، وفي سلوكيات استهلاكية موسمية تنقلب ضد أصحابها في اليوم الموالي.

السؤال الذي يجب أن نطرحه بجرأة في هذا العيد الاستثنائي: واش حنا هوما حنا؟

شارك المقال
  • تم النسخ
تعليقات ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)