في العصر الرقمي الذي نعيشه اليوم، أصبحنا محاطين بكم هائل من المحتوى الذي يتفاوت بين الجاد والتافه، المفيد والمبتذل. ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، باتت إمكانية إنتاج المحتوى متاحة للجميع، دون قيود تُذكر على جودة هذا المحتوى أو هدفه. وفي هذا السياق، تبرز ظاهرة “التفاهة”، التي باتت تسيطر على جزء كبير من المشهد الإعلامي والاجتماعي. فهل هي نتيجة العرض أم نتيجة الطلب؟ أم أن هناك علاقة جدلية بين الاثنين؟
في البداية، لا يمكن إنكار أن العديد من صناع المحتوى يتجهون إلى إنتاج محتوى تافه وغير ذي قيمة، لأنه يُعتبر بالنسبة لهم أسهل طريق لجذب المتابعين وتحقيق الشهرة السريعة. فالمحتوى الذي يركز على الإثارة، الفضائح، أو القصص المبالغ فيها، يلفت الانتباه بسرعة، دون الحاجة إلى جهد كبير في البحث أو التحليل. وهذا ما يدفع الكثير من المؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي إلى تقديم ما يثير الجدل أو يسخر من القضايا الجادة، بغض النظر عن تأثيره السلبي على الذوق العام.
على الجانب الآخر، يتساءل البعض: لماذا يحظى هذا المحتوى السطحي بكل هذا الانتشار؟ هنا يأتي دور الجمهور، الذي يساهم بشكل كبير في تعزيز هذا النوع من المحتوى من خلال التفاعل والمشاهدة. قد يكون السبب في ذلك الرغبة في الترفيه أو الهروب من الضغوط اليومية، أو حتى الفضول لمعرفة آخر الصيحات التي يتحدث عنها الجميع. غير أن هذا الطلب المستمر على المحتوى التافه، يشكل تشجيعاً مباشراً للمزيد من صناع المحتوى على الاستمرار في هذا النوع من الإنتاج.
يمكن القول إن العلاقة بين العرض والطلب في مجال التفاهة تشبه دائرة مغلقة؛ فكلما زاد الطلب على هذا النوع من المحتوى، زاد العرض، والعكس صحيح. هذه العلاقة تتغذى على بعضها البعض، وتخلق بيئة يكون فيها للمحتوى السطحي حظوظ أكبر للانتشار من المحتوى الجاد والهادف. هذه الظاهرة لا تقتصر فقط على المغرب، بل هي منتشرة في العديد من الدول حول العالم، حيث تتراجع القيم الثقافية لصالح الإثارة السريعة.
للتصدي لهذه الظاهرة، علينا كجمهور أن نتحمل مسؤوليتنا في اختيار المحتوى الذي نتابعه وندعمه. كذلك، يجب على صناع المحتوى أن يدركوا أن الشهرة السريعة لا تعني بالضرورة النجاح على المدى الطويل، بل إن الاستمرارية الحقيقية تأتي من تقديم محتوى ذي قيمة. من المهم أن نسعى جميعاً نحو رفع الذوق العام، ودعم الإنتاجات الثقافية والفنية التي تسهم في تعزيز الوعي والإبداع.
ختاماً، إن “التفاهة بين العرض والطلب” ليست مجرد ظاهرة عابرة، بل هي مرآة تعكس ذوقنا وثقافتنا في عصر التكنولوجيا والسرعة. ويبقى السؤال المطروح: هل نحن قادرون على كسر هذه الدائرة المغلقة، وفتح باب جديد للإبداع والجدية؟

تعليقات ( 0 )