من السقيفة إلى صناديق الاقتراع: حين يتحول وهم الزعامة إلى هزيمة متكررة

فتح الله حافظي الجمعة 1 مايو 2026 - 13:20

في السياسة، لا يكفي أن تمتلك صوتا مرتفعا كي تقنع الناس، ولا أن تحيط نفسك بجمهور من المصفقين و”المداويخ” كي تصنع التاريخ. فالزعامات التي تبنى على الانفعال والخطابة وحدهما، سرعان ما تتآكل حين تصطدم بامتحان الواقع. ذلك ما تؤكده تجارب كثيرة عبر التاريخ، من صراعات السلطة الأولى في الإسلام إلى معارك الانتخابات الحديثة، حيث لا مكان دائما لمن يعتقد أن الشرعية الأبدية تمنح له مرة واحدة ثم تبقى إلى الأبد.

منذ سنوات، يصرّ عبد الإله بنكيران على مخاطبة المغاربة بعقلية الزعيم الذي لا يخطئ، وبنبرة الواعظ الذي يعتقد أن امتلاكه للقدرة على الإثارة الخطابية يكفي لتعويض غياب المشروع السياسي والاجتماعي الحقيقي. الرجل الذي صعد على موجة الغضب الشعبي بعد حراك 2011، وقدم نفسه باعتباره صوت “الإصلاح” و”محاربة التحكم”، انتهى به الأمر إلى أن يصبح جزءا من البنية نفسها التي ادعى مواجهتها، بل تحوّل تدريجيا إلى أحد أبرز المدافعين عن استمرارها حين اقتضت موازين السلطة ذلك.

لقد كانت تجربة حزبه في الحكم لحظة كاشفة لكثير من الأوهام. فبدل الانحياز للفئات الشعبية التي حملته إلى السلطة، اختار تمرير سياسات أثقلت كاهل الطبقات الوسطى والفقيرة: تجميد التوظيف، ضرب القدرة الشرائية،
والإجهاز على مكتسبات اجتماعية بدعوى “الإصلاح”. وهكذا اكتشف كثير من المغاربة أن الخطاب الأخلاقي الذي رُفع طويلا لم يكن سوى قشرة تخفي تحتها ممارسة سياسية لا تختلف كثيرا عن وصفات الليبرالية المتوحشة التي تدفع الشعوب ثمنها دائما.

وحين جاءت انتخابات 2021، لم تكن الهزيمة التي مني بها حزبه مجرد تعثر انتخابي عابر، بل كانت إدانة سياسية واجتماعية واضحة. لقد عاقب الناخبون تجربة شعروا أنها خذلت وعودها، وأنها استثمرت الدين واللغة الشعبوية أكثر مما استثمرت في بناء عدالة اجتماعية حقيقية. ومع ذلك، بدل أن يمارس الرجل نقدا ذاتيا شجاعا، اختار العودة إلى لغة التباكي وصناعة صورة الضحية، وكأن المجتمع هو من أخطأ في حقه، لا العكس.

هنا تبدو المفارقة التاريخية ساخرة إلى حد بعيد. فكما وجد سعد بن عبادة نفسه خاسرا في لحظة التحول الكبرى بعد السقيفة، يبدو أن حفيده السياسي المعاصر يعيش المنطق نفسه: ثقة مفرطة بالزعامة، إحساس دائم بالأحقية، وعجز عن إدراك أن موازين القوة والتاريخ تتغير باستمرار. في الحالتين معا، هناك من ظن أن الشرعية الرمزية وحدها تكفي للانتصار، فاكتشف متأخرا أن السياسة أكثر قسوة وتعقيدا من ذلك.

إن الأزمة الحقيقية التي يمثلها هذا النموذج السياسي لا تتعلق بشخص واحد فقط، بل بثقافة سياسية كاملة تقوم على صناعة “الزعيم المنقذ” بدل بناء مشروع ديمقراطي شعبي حقيقي. وهي الثقافة التي حولت النقاش العمومي إلى استعراض لغوي وابتذال شعبوي، بينما كانت الأسئلة الحقيقية للمغاربة تتفاقم: البطالة، الصحة، التعليم، السكن، واتساع الفوارق الطبقية بشكل مخيف.

لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن الشعبوية المحافظة، مهما ارتدت من أقنعة أخلاقية أو دينية، ليست سوى الوجه الآخر للسياسات التي تعمق التفاوت الاجتماعي وتعيد إنتاج الهيمنة نفسها بطرق مختلفة. لذلك لم يكن سقوط هذا الخطاب في صناديق الاقتراع مفاجئا، بل كان نتيجة طبيعية لتراكم الخيبات والانكسارات
.
وإذا استمر المشهد على الوتيرة نفسها، فإن انتخابات 2026 قد تتحول إلى محطة أخرى تؤكد أن الزمن السياسي لا يرحم من يكرر الخطاب نفسه بينما يتغير المجتمع من حوله. فالشعوب قد تصبر، وقد تنخدع لبعض الوقت بالشعارات العالية، لكنها في النهاية تعود إلى سؤال بسيط وحاسم: ماذا تغير فعلا في حياتنا؟

ذلك هو السؤال الذي يخشاه كل خطاب شعبوي يعيش على الضجيج أكثر مما يعيش على الإنجاز. وذلك أيضا هو السؤال الذي قد يجعل من الهزيمة المقبلة أمرا أقرب إلى الحتمية السياسية منه إلى مجرد احتمال انتخابي عابر.

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

الجمعة 1 مايو 2026 - 14:09

إقليم تارودانت في قلب المعادلة السياسية الوطنية عبر وزراء وبرلمانيين

الجمعة 1 مايو 2026 - 13:31

الوزير قيوح ينجح في نزع فتيل التوتر مع مهنيي النقل الدولي

الجمعة 1 مايو 2026 - 11:10

جامعة ابن زهر ترسّخ ثقافة الابتكار بإطلاق “24 ساعة للابتكار” في نسخته الثالثة

الخميس 30 أبريل 2026 - 20:50

محمد واكريم.. كفاءة أكاديمية تعزز مكانة البحث العلمي بجامعة ابن زهر