يواصل المخرج والفاعل الثقافي ياسين أزدوح ترسيخ حضوره في المشهد الثقافي والفني بمدينة أولاد تايمة، من خلال مسار جمع بين الإخراج السينمائي وتنظيم التظاهرات الثقافية والاشتغال على الذاكرة المحلية، قبل أن يخوض تجربة جديدة عبر السلسلة الوثائقية “الأرض والذاكرة”، التي لاقت تفاعلا لافتا لدى المتابعين.
ياسين أزدوح يشغل مدير وكالة Teima ART للتسويق الرقمي والإشهار ورئيس جمعية منتدى الظلال للمسرح والسينما، كما ارتبط اسمه على مدى سنوات بمهرجان أولاد تايمة للفيلم الدولي، الذي ساهم في جعل المدينة فضاء لعرض أعمال سينمائية واستقبال فنانين ومخرجين من المغرب وخارجه، الى جانب تنظيم ورشات ولقاءات لفائدة الشباب والمهتمين بالفن السابع.
ولم يقتصر حضور أزدوح على تنظيم المهرجانات، بل خاض تجربة الكتابة والإخراج، وراكم عددا من الأعمال السينمائية التي شاركت في مهرجانات وحصدت تتويجات، في مسار جعل منه واحدا من الأسماء المرتبطة بالحركة السينمائية والثقافية بمدينة أولاد تايمة.
غير أن مشروع “الأرض والذاكرة” شكل محطة مختلفة في تجربته، حيث انتقل من صناعة الفيلم الى الاشتغال على التاريخ المحلي والذاكرة الجماعية من خلال الصورة والحكي والتوثيق الميداني.
وجاء إخراج هذا المشروع الى الوجود في إطار شراكة استراتيجية جمعت ياسين أزدوح، بصفته رئيس جمعية منتدى الظلال للمسرح والسينما، بالصديق والشريك ياسين إحبوس، مدير معهد إيما بيم للتدبير والصحة، الى جانب شركة تايمة آرت، في خطوة هدفت الى توحيد الجهود والإمكانات لإنجاز سلسلة وثائقية تسعى الى حفظ جزء من تاريخ المنطقة وتقديمه للأجيال الجديدة بأسلوب بصري حديث.

وتقوم فكرة “الأرض والذاكرة” على العودة الى الأماكن والشخصيات والحكايات التي صنعت جزءا من تاريخ هوارة والمناطق المحيطة بها، مع البحث في المعالم والقصص التي لا تزال حاضرة في ذاكرة السكان، لكنها مهددة بالاندثار إذا لم يتم توثيقها.
ومنذ انطلاق السلسلة، تناولت عددا من المواضيع المرتبطة بتاريخ المنطقة ومعالمها، من بينها مسجد محمد الخامس بأولاد تايمة ومواضيع أخرى مرتبطة بذاكرة هوارة، في تجربة استطاعت أن تجذب اهتمام شريحة من المغاربة المهتمين بالتاريخ المحلي والهوية والتراث.
قوة المشروع تكمن في اختياره تقديم التاريخ بعيدا عن الأسلوب الأكاديمي الجاف، والاعتماد بدل ذلك على الصورة والشهادة والمكان والحكاية، بما يجعل المشاهد أقرب الى التفاصيل التي صنعت ذاكرة المنطقة.
كما تعكس هذه التجربة تحولا واضحا في مسار ياسين أزدوح، الذي لم يعد يشتغل فقط على السينما باعتبارها فنا، بل بات يوظف أدواتها في خدمة الذاكرة والتاريخ، محاولا تحويل الكاميرا الى وسيلة لحفظ ما قد يضيع مع مرور الزمن.
وفي زمن تتغير فيه المدن بسرعة وتختفي فيه معالم وشهادات وأسماء من الذاكرة الجماعية، يكتسب مشروع “الأرض والذاكرة” قيمة خاصة، لأنه يسعى الى تسجيل جزء من تاريخ الناس والأماكن قبل أن يصبح مجرد حكايات متناثرة.
ومن خلال هذا المسار، يواصل ياسين أزدوح رفقة شركائه بناء تجربة ثقافية تنطلق من أولاد تايمة وهوارة، لكنها تحمل طموحا أكبر في التعريف بتاريخ المغرب المحلي وإعادة الاعتبار لذاكرة المناطق التي ظلت لسنوات بعيدة عن عدسات التوثيق.
وبين السينما والمهرجان والعمل الجمعوي والسلسلة الوثائقية، يثبت ياسين أزدوح أن العمل الثقافي لا يقاس فقط بعدد التظاهرات والأعمال، بل أيضا بما يتركه من أثر في ذاكرة الناس، وما يحفظه للأجيال القادمة من قصص وهوية وتاريخ.


