حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

تعززت المكتبة القانونية المغربية بإصدار علمي جديد للباحث في القانون الخاص مصطفى السكني، يحمل عنوان «الرقابة القضائية على تنفيذ العقوبة»، صدر في طبعته الأولى 2026 عن دار العرفان للطباعة والنشر، بتقديم للدكتور يونس سعيدي.

anapec 2
narsa 3

ويأتي هذا المؤلف في سياق يعرف فيه التشريع الجنائي المغربي تحولات مهمة، خاصة على مستوى فلسفة العقوبة وكيفية تنفيذها، حيث لم تعد العقوبة في التصورات الحديثة مرتبطة فقط بالردع والزجر وتقييد الحرية، بل أصبحت مرتبطة كذلك بإصلاح المحكوم عليه وتأهيله وإعادة إدماجه داخل المجتمع.

ومن هذا المنطلق، اختار الباحث والمؤلف مصطفى السكني الاشتغال على واحدة من أكثر المراحل حساسية في مسار العدالة الجنائية، وهي مرحلة تنفيذ العقوبة، مركزا على أهمية الرقابة القضائية باعتبارها ضمانة أساسية لحماية حقوق النزلاء وصون كرامتهم الإنسانية، والتأكد من أن تنفيذ الحكم يتم في الحدود التي رسمها القانون.

ويطرح الكتاب سؤالا أساسيا حول الدور الذي ينبغي أن يقوم به القضاء بعد صدور الحكم، إذ لا تنتهي ضمانات المحاكمة العادلة بمجرد النطق بالحكم، بل تمتد إلى كيفية تنفيذه والظروف المحيطة بالمحكوم عليه، بما يضمن تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن والردع من جهة، وحماية الحقوق والحريات وإعادة التأهيل من جهة ثانية.

ولا يكتفي الباحث في هذا العمل بالتشخيص والتحليل القانوني، بل ينتقل إلى تقديم مجموعة من المقترحات العملية التي يمكن أن تساهم في تطوير السياسة العقابية وتعزيز فعالية الرقابة القضائية على تنفيذ العقوبات.

ومن بين أبرز التوصيات التي خلص إليها المؤلف:

القطع مع الصورة النمطية السلبية حول السجون، فمظاهر الوصم الاجتماعي لا تقتصر على النزيل فحسب، بل تمتد إلى المؤسسة السجنية ذاتها، وهو ما ينعكس سلبا على جهود التأهيل وإعادة الإدماج، لذلك وجب العمل على جعل المؤسسة السجنية فضاء وورشا للإصلاح والتقويم، وحلقة أساسية في المنظومة الأمنية والحقوقية.

كما يقترح الباحث مراجعة قانون العقوبات البديلة وتوسيعه بعقوبات ذات بعد تربوي ، من بينها التدريب على المواطنة بالنسبة لبعض حالات الإجرام البسيط، بما يسمح بتطوير بدائل تحقق الغاية الإصلاحية للعقوبة دون اللجوء دائما إلى السجن.

وفي السياق نفسه، يشدد المؤلف على ضرورة توفير الموارد البشرية والمادية واللوجستيكية والتقنية اللازمة لإنجاح العقوبات البديلة، إلى جانب تعزيز وعي المجتمع بأهمية هذه الآليات وتغيير بعض التصورات التي تعتبر كل عقوبة غير سالبة للحرية نوعا من الإفلات من العقاب.

ويذهب الباحث أبعد من ذلك باقتراح توسيع نطاق استخدام السوار الإلكتروني ليشمل مرحلة ما قبل صدور الحكم، كبديل عن الاعتقال الاحتياطي في بعض قضايا الجنح، مع ضرورة توفير الضمانات اللازمة لعدم المساس بالحياة الخاصة للأشخاص المعنيين.

ومن التوصيات اللافتة أيضا الدعوة إلى إشراك المرصد الوطني للإجرام بشكل أكبر في بناء السياسة الجنائية، عبر توفير المعطيات المتعلقة بالظواهر الإجرامية، وتتبع مؤشرات تنفيذ العقوبات البديلة وحالات العود، بما يسمح ببناء القرارات على معطيات علمية دقيقة بدل الاقتصار على المقاربات التقليدية.

كما يدعو الكتاب إلى مأسسة الدور الذي تضطلع به جمعيات المجتمع المدني داخل النصوص القانونية والتنظيمية، حتى تتحول إلى شريك فعلي في تطوير آليات تنفيذ العقوبات البديلة ومواكبة الأشخاص المعنيين بها والمساهمة في إنجاح مسارات الإدماج والإصلاح.

ويدعو المؤلف إلى ضرورة توظيف الرقمنة في تأطير وتتبع أوضاع المحكوم عليهم، وإنشاء قاعدة بيانات مشتركة بين مختلف المتدخلين، بما يسمح بقياس نجاعة العقوبات البديلة ورصد الصعوبات والإكراهات التي تواجه تنزيلها على أرض الواقع.

وتبرز هذه التوصيات أن المؤلف لا يتعامل مع موضوع تنفيذ العقوبة باعتباره قضية نظرية صرفة، وإنما كجزء من ورش إصلاح العدالة الجنائية، يحتاج إلى تنسيق بين القضاء والإدارة السجنية والمؤسسات المختصة والجامعة والمجتمع المدني.

كما يعكس الكتاب رحلة بحثية طويلة في موضوع يتقاطع فيه القانون مع قضايا حقوق الإنسان والإصلاح وإعادة الإدماج، وهو ما يمنحه أهمية خاصة بالنسبة لطلبة القانون والباحثين في العلوم الجنائية والممارسين والمهنيين المهتمين بقضايا تنفيذ العقوبات.

و المؤلف متوفر حاليا في نسخته الورقية بمدينة أكادير لدى مكتبة ودار العرفان للطباعة والنشر بحي السلام، كما أصبح متاحا بمدينة أولاد تايمة لدى مكتبة القدس.

وبهذا الإصدار، يضع الباحث مصطفى السكني بين أيدي المهتمين عملا علميا لا يكتفي بطرح الإشكالات، وإنما يقترح حلولا عملية ويعيد فتح النقاش حول مستقبل العقوبة في المغرب، وحدود الدور القضائي في مواكبة تنفيذها.

فالرهان، كما يظهر من مضمون المؤلف، لم يعد فقط كيف نعاقب؟ بل أصبح أيضا: كيف ننفذ العقوبة دون أن نفقد هدفها الإصلاحي أو نمس بكرامة الإنسان؟