في مشهد سياسي لا يخلو من مفارقات مثيرة، خرج حزب حزب الأصالة والمعاصرة، أحد أعمدة الأغلبية الحكومية، ليدعو… الحكومة نفسها إلى اتخاذ إجراءات “جريئة” لمواجهة غلاء المحروقات والأسعار. دعوة قد تبدو للوهلة الأولى عادية في سياق نقاش عمومي صحي، لكنها تطرح في العمق سؤالاً بسيطاً ومعقداً في آن واحد: من يحكم فعلاً؟
أن يطالب حزب معارض بإصلاحات اقتصادية واجتماعية أمر مفهوم، بل مطلوب. أما أن يصدر هذا الخطاب من داخل المطبخ الحكومي، فذلك أقرب إلى حوار داخلي يُنشر على الملأ، أو ربما إلى محاولة تسجيل نقاط سياسية دون مغادرة مقاعد السلطة.
بلاغ الحزب تحدث عن “مقاربة شمولية” و”إجراءات جريئة”، وهي عبارات محفوظة في القاموس السياسي، تُستعمل غالباً عندما يغيب الوضوح أو تتأخر القرارات. لكن ما يثير الانتباه ليس مضمون الدعوة بقدر ما هو موقع صاحبها: حزب يشارك في تدبير السياسات العمومية، ثم يتقمص دور الملاحظ الناقد، وكأن الأمر لا يعنيه مباشرة.
الأمر لا يقف عند حدود المحروقات، بل يمتد إلى الدعوة لضبط الأسواق، إصلاح الاقتصاد غير المهيكل، وتسريع دعم الفلاحين… وهي كلها ملفات تدخل صميم العمل الحكومي اليومي. فهل نحن أمام توزيع أدوار داخل الأغلبية؟ أم محاولة استباقية لرفع الحرج أمام الرأي العام في ظل موجة الغلاء؟
السخرية هنا ليست في المطالب، فهي مشروعة ومطلوبة، بل في هذا “الانفصام السياسي” الذي يجعل الفاعل والناقد شخصاً واحداً. وكأن الحزب يقول: “نحن في الحكومة… لكن لا تحملونا مسؤولية ما يقع”.




تعليقات
0