في قراءة رمزية عميقة لمسار التحولات التي يعرفها المغرب، يمكن استحضار مفهوم “الاستمرارية” كما يُستخدم في الرياضيات، ليس بمعناه التقني، بل كفكرة دالة على الترابط غير المنقطع بين الماضي والحاضر والمستقبل.
فالمغرب، عبر تاريخه الممتد، لا يُختزل في مرحلة زمنية واحدة، بل يُفهم كنسيج متصل الحلقات، حيث تتداخل الذاكرة التاريخية مع الدينامية المعاصرة في مسار واحد متكامل.
في هذا السياق، تبرز مدينة الرباط كنموذج دال على هذا التوازن الرمزي، بين معلمين يعكسان زمنين مختلفين: صومعة حسان التي تشهد على عمق الإرث الحضاري والروحي للمملكة، وبرج محمد السادس الذي يجسد طموحا عمرانيا واقتصادياً يعكس انفتاح المغرب على المستقبل.
هذا التوازي بين المعلمَين لا يُقرأ كتناقض، بل كامتداد طبيعي لرؤية دولة تراهن على الجمع بين الأصالة والمعاصرة، وتبني مشروعها التنموي على أساس الاستفادة من الذاكرة التاريخية دون الانفصال عن متطلبات العصر.
ومن خلال هذا المنظور، يمكن فهم الهوية المغربية باعتبارها هوية “مستمرة” لا تنقطع، بل تتطور بشكل تدريجي ومتوازن، حيث تُحوَّل التجارب التاريخية إلى رصيد حضاري، وتُترجم الطموحات الحديثة إلى مشاريع ملموسة على أرض الواقع.
وهكذا، يصبح المشهد الحضري في الرباط أكثر من مجرد فضاء عمراني، بل خطابا بصريا يعكس فلسفة دولة تقوم على التوفيق بين جذور راسخة وآفاق مفتوحة، في إطار رؤية تنموية تجعل من الاستمرارية قيمة مركزية في بناء المستقبل.




تعليقات
0