اخبار

6 دقائق قراءة

تمثيلية النساء في المؤسسة التشريعية.. مسار متواصل لترسيخ حضور سياسي مؤثر

تمثيلية النساء في المؤسسة التشريعية.. مسار متواصل لترسيخ حضور سياسي مؤثر

شارك هذا الخبر

شهدت التجربة المغربية مساراً متدرجاً في تعزيز تمثيلية النساء داخل المؤسسة التشريعية، وذلك منذ اعتماد آليات التمييز الإيجابي سنة 2002. فقد مكن نظام “الكوطا” الذي تم اعتماده آنذاك من تخصيص ثلاثين مقعداً للنساء عبر اللائحة الوطنية، قبل أن تتعزز هذه الخطوة سنة 2007 بالتزام الأحزاب السياسية بتخصيص نسبة 10 في المائة من مقاعد مجلس النواب للنساء. ومع مرور الوقت تطورت هذه الآليات لتصل إلى تخصيص 90 مقعداً للنساء على المستوى الجهوي، إضافة إلى إدراج مقتضيات تحفيزية ضمن المنظومة الانتخابية الجديدة تروم تعزيز حضور المرأة في العمل السياسي والتمثيلي.

إعلان
إعلان

ويستند هذا المسار إلى مرجعية دستورية واضحة، خاصة بعد اعتماد دستور 2011 الذي كرس مبدأ المساواة بين النساء والرجال، ونص على السعي نحو تحقيق المناصفة، فضلاً عن إحداث هيئة المناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز. وقد شكل هذا الإطار الدستوري دعامة أساسية لتطوير السياسات والتشريعات الرامية إلى تعزيز مشاركة النساء في الحياة السياسية والبرلمانية.

وفي هذا السياق، برزت خلال الولاية التشريعية التاسعة محطة مهمة تمثلت في إحداث مجموعة العمل الموضوعاتية المكلفة بالمساواة والمناصفة، وهو ما عزز طموح النخب النسائية داخل البرلمان للانتقال من منطق الدعم العددي للتمثيلية النسائية إلى إرساء آليات مؤسساتية مستدامة تضمن حضوراً فاعلاً للمرأة داخل المؤسسة النيابية، وتمكنها من الإسهام بشكل أكبر في العمل التشريعي والرقابي.

وكان اعتماد اللائحة الوطنية للنساء سنة 2002 نقطة تحول في مسار ولوج المرأة إلى البرلمان، إذ لم تكن المنظومة الانتخابية قبل ذلك التاريخ تتضمن أي مقتضيات خاصة بالتمييز الإيجابي، كما أن القوانين المنظمة للأحزاب السياسية لم تكن تنص على إجراءات تشجع تمثيل النساء. وقد أسهم هذا النظام في رفع عدد البرلمانيات بشكل ملحوظ، بعدما كان التمثيل النسائي محدوداً للغاية في التسعينيات.

ومع تعديل القانون التنظيمي لمجلس النواب سنة 2011، في سياق المستجدات الدستورية الجديدة، عرف النقاش السياسي حول تمثيلية النساء زخماً كبيراً، خاصة بعد دسترة مبدأ المناصفة في الفصل التاسع عشر من الدستور. وقد أفضى هذا النقاش إلى اعتماد لائحة وطنية تضم 90 مقعداً، خُصص 60 منها للنساء، وهو ما ساهم في تعزيز حضور المرأة داخل البرلمان ورفع عدد النائبات بشكل ملموس.

ويعكس هذا التطور في تمثيل النساء الدور الذي لعبته آلية الكوطا في ضمان حد أدنى من المشاركة النسائية داخل المؤسسة التشريعية خلال مرحلة انتقالية، قبل أن تتطور الصيغة لاحقاً لتواكب التحولات السياسية والدستورية. وفي هذا الإطار تم الانتقال من نظام اللائحة الوطنية إلى اعتماد الدوائر الانتخابية الجهوية، التي تخصص أساساً لترشيحات النساء مع إمكانية ترشحهن أيضاً في الدوائر المحلية.

وتنص المنظومة الانتخابية الحالية على تخصيص الدوائر الجهوية للترشيحات النسوية، بما يضمن الحفاظ على المقاعد المخصصة للنساء داخل مجلس النواب، خاصة في حالة إجراء انتخابات جزئية أو تفعيل مسطرة التعويض، حيث يؤول المقعد الشاغر في هذه الحالة إلى مترشحة.

وفي قراءة لهذا التطور، ترى الباحثة في القانون الدستوري والعلوم السياسية مريم بليل أن تخصيص اللوائح الجهوية للنساء يحمل دلالات رمزية مهمة، غير أن تأثيره على مستوى النتائج يظل محدوداً نسبياً، مشيرة إلى أن الانتخابات السابقة أفرزت بدورها 90 مقعداً للنساء رغم أن اللوائح لم تكن حصرية عليهن.

وأضافت الباحثة أن التوجه العام في القوانين الانتخابية يسعى إلى تعزيز تمثيلية النساء دون اللجوء إلى توسيع نظام الكوطا بشكل مباشر، معتبرة أن هذا التوجه يمثل إشارة إيجابية للأحزاب السياسية من أجل تعزيز حضور النساء عبر الدوائر المحلية وبناء الثقة في قدرتهن على التنافس السياسي والتمثيل البرلماني.

وفي السياق ذاته، تؤكد المنظومة الانتخابية الجديدة أن تخصيص الدوائر الجهوية للترشيحات النسوية لا يمنع النساء من الترشح في الدوائر المحلية، بل يشكل آلية مرحلية تهدف إلى تمكينهن من اكتساب التجربة السياسية اللازمة لخوض المنافسة الانتخابية مستقبلاً في مختلف الدوائر.

إلى جانب ذلك، تضمنت المنظومة الانتخابية الجديدة مجموعة من التحفيزات المالية التي تهدف إلى تشجيع مشاركة الشباب والنساء في الحياة السياسية. فقد تم إقرار دعم مالي إضافي لفائدة اللوائح الجهوية التي تضم مترشحات لا يتجاوز سنهن 35 سنة، سواء كن مرشحات باسم أحزاب سياسية أو بصفة مستقلة.

كما تم رفع قيمة الدعم العمومي السنوي الممنوح للأحزاب السياسية عن كل مقعد يفوز به شاب أو شابة دون سن 35 سنة، أو مغربي مقيم بالخارج، في الدوائر المحلية، ليصل إلى ست مرات قيمة الدعم المخصص لباقي المترشحين، مع توسيع نطاق هذه الآلية لتشمل أيضاً الأشخاص في وضعية إعاقة.

وترى الباحثة مريم بليل أن اعتماد التحفيزات المالية يعد من الآليات المعتمدة في عدد من التجارب الديمقراطية لتعزيز تمثيلية بعض الفئات، وعلى رأسها النساء والشباب، بما يساهم في تجديد النخب السياسية وفتح المجال أمام حضور أكبر للنساء الشابات داخل مجلس النواب.

ومن جهة أخرى، تضمنت المنظومة القانونية مقتضيات تهدف إلى تعزيز حضور النساء داخل الأحزاب السياسية منذ مرحلة التأسيس، من خلال اشتراط تمثيلية نسائية ضمن الأعضاء المؤسسين لا تقل عن الخمس، أي ما لا يقل عن 400 امرأة من أصل ألفي عضو مؤسس، وهو ما يعكس توجهاً نحو إدماج المرأة في المشروع الحزبي منذ مراحله الأولى.

ويعكس هذا التطور انتقالاً تدريجياً من منطق الضمان العددي الذي ميز مرحلة الكوطا إلى مقاربة تقوم على ترسيخ ثقافة التنافس السياسي والمشاركة المستدامة، مع إسناد دور محوري للأحزاب السياسية في دعم ترشيح النساء وتمكينهن من مواقع متقدمة داخل اللوائح الانتخابية.

وفي أفق الاستحقاقات المقبلة، يظل الرهان قائماً على مواصلة هذا المسار الإصلاحي المتدرج بما يعزز حضور النساء داخل المؤسسة التشريعية، ليس فقط من حيث العدد، بل أيضاً من حيث الفعالية والمساهمة في العمل التشريعي والرقابي والدبلوماسي، بما يكرس مشاركة نسائية حقيقية في صناعة القرار السياسي.

إعلان
إعلان

فيديو