حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

تشهد جماعة سيدي أحمد أوعمر بإقليم تارودانت تحولا سياسيا لافتا، بعدما تمكن حزب الاستقلال من التقدم داخل منطقة ظلت لسنوات محسوبة على التجمع الوطني للأحرار، في مسار برز فيه اسم عبد الهادي بودبليج، الكاتب المحلي لحزب الاستقلال بالجماعة، كأحد أبرز الفاعلين في إعادة ترتيب الأوراق.

anapec 2
narsa 3

بودبليج، الذي انتخب كاتبا محليا للاستقلال بسيدي أحمد أوعمر منذ دجنبر 2020، تسلم حينها مسؤولية تنظيم الحزب داخل جماعة كانت توصف بأنها من المعاقل الانتخابية لحزب التجمع الوطني للأحرار.

ومنذ ذلك الحين، لم يعد حضور الاستقلال في الجماعة مجرد حضور تنظيمي محدود، بل بدأ يتوسع تدريجيا، قبل أن ينجح الحزب في اختراق التوازن السياسي القائم واستقطاب خمسة أعضاء خلال الولاية الحالية، إضافة إلى حسم مقعد آخر خلال انتخابات جزئية. وكانت جزئية دجنبر 2024 قد شهدت بالفعل فقدان الأحرار للدائرة رقم 5 التي كانوا قد فازوا بها سنة 2021، لصالح مرشح حزب الاستقلال.

لكن ما منح هذا التحول بعدا أكبر لم يكن فقط انتقال المنتخبين أو الحسابات المرتبطة بالمجالس، وإنما ارتباط اسم بودبليج بعدد من الملفات التي تمس الحياة اليومية للساكنة، وفي مقدمتها الماء.

فجماعة سيدي أحمد أوعمر تضم دواوير ظلت قضية التزود بالماء الصالح للشرب واحدة من أكبر انتظاراتها، في وقت واجه فيه المجلس الجماعي ضغطا متزايدا من المواطنين بسبب غياب المشاريع وغياب التجاوب المنتظر مع ملفات اعتبرتها الساكنة ذات أولوية.

وفي هذه المرحلة، لعب بودبليج دورا في فتح قنوات التواصل والترافع، مستندا إلى علاقته السياسية والتنظيمية بعبد الصمد قيوح، القيادي الاستقلالي ووزير النقل واللوجيستيك، من أجل الدفع بملف الماء وعدد من المشاريع الأساسية نحو المؤسسات والقطاعات المعنية.

ولم يبق الأمر في حدود الاتصالات. ففي مارس 2026، شهد دوار أغشيين التحتاني بجماعة سيدي أحمد أوعمر تدشين مشروع مائي يضم بئرا وصهريجا لتأمين التزود بالماء الصالح للشرب، بحضور عبد الصمد قيوح، في مشروع يستهدف مواجهة الإكراهات المرتبطة بنقص الموارد المائية وتحسين ظروف عيش الساكنة.

وبذلك تحول ملف كان يشكل مصدر ضغط على المجلس الجماعي إلى ورش بدأت نتائجه تظهر على الأرض، كما انفتحت أمام الجماعة قنوات جديدة للتواصل مع مؤسسات وطنية وجهوية وقطاعات حكومية حول ملفات تنموية أخرى.

وهنا تكمن المفارقة السياسية.

فبودبليج، الموجود في صف سياسي منافس للأغلبية التي تدبر الجماعة، ساهم من خلال الترافع والتواصل في تحريك ملفات انعكس حلها في النهاية على الجماعة ككل، وهو ما خفف جزءا من الضغط الذي كانت تواجهه رئاسة المجلس أمام الساكنة.

الرجل اختار بذلك ممارسة السياسة من زاوية مختلفة: بدل الاكتفاء بانتقاد الأغلبية وانتظار تعثرها، تحرك من أجل إخراج الملفات التي يعتبرها المواطن أكثر إلحاحا، على اعتبار أن الماء والطريق والخدمات الأساسية لا ينبغي أن تصبح رهينة للصراع بين الأحزاب.

هذه الدينامية بدأت تنعكس مباشرة على الخريطة السياسية للجماعة.

فالتقدم الذي حققه الاستقلال داخل سيدي أحمد أوعمر، وخسارة الأحرار لبعض مواقعهم، أعادا فتح النقاش حول مستقبل واحدة من المناطق التي ظلت لسنوات جزءا من الثقل الانتخابي لحزب الحمامة في هوارة.

وفي خضم هذه التحولات، جاء التحاق فارس أزدو بحزب الاستقلال ليمنح المشهد السياسي بسيدي أحمد أوعمر بعدا جديدا، بالنظر إلى وزن الرجل وتجربته الطويلة داخل التجمع الوطني للأحرار، فضلا عن موقعه كنائب أول لرئيس الجماعة.

انتقال أزدو إلى حزب الاستقلال لا يمكن اختزاله في مجرد تغيير للانتماء الحزبي، بل يحمل دلالات سياسية قوية داخل منطقة ظلت لسنوات من أبرز معاقل الأحرار. فالرجل يعد من أقدم الوجوه السياسية بالمنطقة، وراكم تجربة طويلة في تدبير الشأن المحلي، وهو ما يجعل اختياره الالتحاق بالاستقلال تحولا بارزا في موازين القوى داخل الجماعة.

واللافت أن أزدو أعلن دعمه لعبد الصمد قيوح وللكاتب المحلي لحزب الاستقلال عبد الهادي بودبليج، في خطوة تعكس تقديره للدور الذي لعبه الاثنان في فتح قنوات التواصل والترافع من أجل معالجة عدد من الملفات التي كانت تؤرق ساكنة سيدي أحمد أوعمر، وفي مقدمتها الماء وبعض المشاريع ذات الأولوية.

هذا التحول يعطي دلالة أكبر للعمل الذي قاده بودبليج خلال المرحلة الماضية. فبدل أن يجعل من تعثر بعض الملفات وسيلة لتسجيل نقاط سياسية على المجلس الجماعي، اختار التحرك والتواصل مع عبد الصمد قيوح والعمل من أجل إيجاد الحلول، لتستفيد في النهاية الجماعة والساكنة من فتح قنوات مع مؤسسات وطنية وجهوية وقطاعات حكومية مختلفة.

وبذلك، يكون بودبليج قد ساهم، بشكل أو بآخر، في حفظ ماء وجه المجلس أمام الساكنة في ملفات ذات اولوية تضع المنتخبين تحت ضغط متزايد، رغم أن الرجل ينتمي إلى حزب منافس للحزب الذي يقود الجماعة.

والنتيجة لم تظهر فقط في المشاريع، بل امتدت إلى السياسة نفسها. فبعد التحاق خمسة أعضاء بحزب الاستقلال، وفوز الحزب بمقعد إضافي في الانتخابات الجزئية، جاء التحاق فارس أزدو ليؤكد أن ما يجري بسيدي أحمد أوعمر لم يعد مجرد تحرك حزبي عابر، وإنما تحول سياسي حقيقي داخل جماعة ظلت لسنوات قلعة انتخابية للأحرار.

أما عبد الهادي بودبليج، فيواصل الاشتغال بعيدا عن الأضواء. فالرجل لا يميل إلى تحويل كل تدخل أو مشروع يخص منطقته إلى مادة للظهور الإعلامي، ويعتبر أن الترافع عن الساكنة والمساهمة في حل مشاكلها واجب قبل أن يكون مكسبا سياسيا.

ورغم أن بودبليج لم يكشف بعد عن المنطقة التي سيخوض منها الاستحقاقات المقبلة، فإن ما تحقق في سيدي أحمد أوعمر وضع اسمه في صلب المعادلة السياسية الجديدة. فالنجاح في اختراق قلعة للأحرار واستقطاب منتخبين من داخلها، وصولا إلى التحاق واحد من أقدم وأبرز وجوهها، لا يمكن فصله عن العمل الذي تم بناؤه على امتداد السنوات الماضية.

وفي السياسة المحلية، قد تتغير الشعارات والتحالفات، لكن المواطن يحتفظ في ذاكرته بمن وقف إلى جانبه عندما احتاجت منطقته إلى الماء والطريق والمشاريع.

وهنا تحديدا يبدو أن عبد الهادي بودبليج نجح في ترك بصمته بسيدي أحمد أوعمر، ليس بكثرة الظهور، وإنما بما يعتبره هو ببساطة: واجبا تجاه الساكنة.