حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

حذر حسن بوبريك، المدير العام للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، من التحديات المالية والتنظيمية التي تواجه منظومة التأمين الإجباري عن المرض بالمغرب، في ظل اتساع قاعدة المستفيدين إلى نحو 25 مليون شخص خلال سنة 2025، مؤكداً أن استمرار هذا الورش الاجتماعي يقتضي توفير موارد مالية كافية والتحكم في النفقات الصحية وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.

وجاءت تصريحات بوبريك، اليوم الأربعاء بمدينة مراكش، خلال افتتاح الندوة الدولية التي نظمها مجلس المنافسة تحت عنوان «السياسة الصحية في المغرب: المنافسة والتنظيم والحكامة في ظل التغطية الصحية الشاملة»، حيث استعرض التحولات التي شهدها نظام التأمين الصحي، والتحديات التي ترافق الانتقال من توسيع التغطية إلى ضمان الاستفادة الفعلية من العلاج.

وأوضح المسؤول أن المغرب حقق تقدماً في إدماج فئات واسعة من المواطنين ضمن منظومة التأمين الإجباري عن المرض، بفضل تبسيط المساطر الإدارية وتطوير الخدمات الرقمية وتسهيل إجراءات التسجيل والاستفادة، مشدداً على ضرورة الحفاظ على مساهمات مالية تتناسب مع إمكانيات المنخرطين، حتى لا تتحول كلفة الاشتراك إلى عائق أمام الاستفادة من الحماية الصحية.

ورغم هذا التوسع، نبه بوبريك إلى أن ارتفاع عدد المستفيدين ترافقه زيادة في استهلاك الأدوية والخدمات الطبية، ما يفرض أعباء إضافية على الموارد المالية المخصصة للتأمين الصحي، ويستدعي مراجعة آليات التمويل والتدبير لضمان قدرة النظام على الوفاء بالتزاماته مستقبلاً.

وأكد المدير العام للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي أن المرحلة المقبلة تتطلب البحث عن مصادر تمويل إضافية، بالتوازي مع اعتماد تدابير أكثر فعالية لضبط المصاريف الصحية، مشيراً إلى أن توسيع التغطية ينبغي أن يترافق مع ضمان استمرارية تمويل العلاج دون الإضرار بالتوازنات المالية للمنظومة.

وفي هذا السياق، شدد بوبريك على أن نجاح التغطية الصحية الشاملة يرتبط ارتباطاً مباشراً بوجود قطاع صحي عمومي قوي، قادر على استقبال المرضى وتقديم خدمات تستجيب لحاجياتهم، مع تطوير التكامل بين المؤسسات الصحية العمومية والمصحات الخاصة.

anapec 2

واعتبر أن التفاوت القائم في مساهمة القطاعين العام والخاص في تقديم العلاجات يفرض إعادة تنظيم العرض الصحي وتوزيع الموارد والإمكانيات، بما يسمح بتحسين الولوج إلى الخدمات الطبية والحد من الأعباء التي قد يتحملها المواطنون نتيجة اختلالات المنظومة.

وامتدت ملاحظات المسؤول إلى قطاع الأدوية، حيث دعا إلى مراجعة طرق تدبير النفقات الصيدلانية، وتحليل الممارسات السائدة في سوق الدواء، مع تسريع اعتماد بروتوكولات علاجية تستند إلى المعايير العلمية، بهدف تحسين فعالية الوصفات الطبية وترشيد الإنفاق.

وأبرز أهمية تطوير برامج مواكبة المرضى المصابين بالأمراض المزمنة، بالنظر إلى ما تتطلبه هذه الحالات من متابعة طبية مستمرة وعلاجات طويلة الأمد، معتبراً أن تحسين التكفل بهذه الفئات يمكن أن يسهم في رفع جودة الخدمات والتحكم في تكاليف العلاج.

كما دعا إلى توسيع الخدمات الطبية التي يشملها التأمين الصحي، شريطة اعتماد توزيع فعال للموارد المالية المتاحة، بما يسمح بالاستجابة لحاجيات عدد أكبر من المستفيدين دون تعريض استقرار النظام المالي للخطر.

وفي ما يتعلق بالمنافسة داخل القطاع الصحي، أكد بوبريك أن الخدمات الطبية تخضع لخصوصيات تميزها عن باقي الأنشطة الاقتصادية، بالنظر إلى ارتباطها بصحة المواطنين واعتماد المرضى على القرارات والوصفات الطبية، فضلاً عن الدور الذي تؤديه مبادئ التضامن والحماية الاجتماعية في تنظيم الولوج إلى العلاج.

وشدد على ضرورة اعتماد قواعد تنظيمية تراعي هذه الخصوصيات، وتضمن التوازن بين تشجيع المنافسة وتحسين جودة الخدمات والحفاظ على حقوق المرضى، مع التصدي للممارسات التي قد تؤثر على شفافية السوق أو تحد من فعالية المنظومة الصحية.

وتطرق المدير العام للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي إلى إشكالية الولوج إلى الأدوية المبتكرة والعلاجات الحديثة، مؤكداً أن التطور العلمي في المجال الطبي ينبغي أن يستفيد منه المواطنون بصورة عادلة، بعيداً عن التفاوتات المرتبطة بالقدرة المالية أو الظروف الاجتماعية.

وأوضح أن إدماج الابتكارات العلاجية داخل منظومة التأمين الصحي يستدعي تقييم كلفتها وفعاليتها، مع مراعاة قدرة النظام على تحمل مصاريفها، بما يضمن استفادة المرضى من العلاجات الجديدة دون تهديد التوازن المالي للتغطية الصحية.

ودعا بوبريك إلى تعزيز الشفافية في تقييم الأدوية وتسريع المساطر المرتبطة باتخاذ القرارات بشأن اعتمادها، محذراً من أن التأخر في هذه الإجراءات قد يحرم بعض المرضى من الاستفادة في الوقت المناسب من علاجات يحتاجون إليها.

كما أكد ضرورة تقوية التنسيق بين المؤسسات الصحية والهيئات المكلفة بالتنظيم والمراقبة، مع توفير الموارد البشرية والتقنية اللازمة لتنفيذ القوانين والكشف عن الممارسات التي قد تعرقل المنافسة أو تؤثر على جودة الخدمات.

وعلى المستوى الترابي، نبه المسؤول إلى أهمية معالجة التفاوت في توزيع الأطباء والأطر الصحية والتجهيزات الطبية بين المدن والمناطق، معتبراً أن تعميم التأمين الصحي ينبغي أن يترجم إلى إمكانية فعلية للحصول على العلاج، بصرف النظر عن مكان إقامة المستفيد.

وأشار إلى أن تحقيق العدالة المجالية في الخدمات الصحية يتطلب تحسين توزيع الموارد وتعزيز قدرات المؤسسات العلاجية، خصوصاً في المناطق التي تعاني خصاصاً في العرض الطبي.

كما توقف عند التحديات المرتبطة برقمنة الخدمات الصحية، داعياً إلى حماية المعطيات الشخصية للمرضى وتحسين جودة الوصفات الطبية، بالتزامن مع توسع استعمال الأنظمة المعلوماتية في تدبير العلاجات والخدمات المرتبطة بالتأمين.

وخلص بوبريك إلى أن وصول عدد المستفيدين من التأمين الإجباري عن المرض إلى نحو 25 مليون شخص يمثل تحولاً في منظومة الحماية الاجتماعية بالمغرب، لكنه يفرض في المقابل تحديات تتعلق بالتمويل والحكامة وتنظيم الخدمات الطبية.

وأكد أن الحفاظ على المكتسبات المحققة يمر عبر ضمان موارد مالية مستدامة، وتقوية القطاع الصحي العمومي، وتحسين التكامل مع القطاع الخاص، إلى جانب ضبط كلفة الأدوية والعلاجات، بما يسمح بتحويل التغطية الصحية من حق في التأمين إلى استفادة فعلية من خدمات طبية ذات جودة.