يشهد المغرب خلال شهر أكتوبر تقلبات جوية لافتة، تتراوح بين تساقطات مطرية ورعدية قد تكون قوية في بعض المناطق، وارتفاع درجات الحرارة في مناطق أخرى، إلى جانب فترات من الاستقرار الجوي وسطوع الشمس، وهو ما يثير تساؤلات بشأن طبيعة هذه الظواهر ومدى ارتباطها بالتغيرات المناخية، أم بخصائص المرحلة الانتقالية بين الصيف والخريف.
وتتميز هذه الفترة من السنة بانتقال تدريجي من الأجواء الصيفية نحو الظروف الجوية الخريفية، حيث تتغير الكتل الهوائية المؤثرة على المملكة، وتتفاعل التيارات الباردة القادمة من مناطق العروض العليا مع الهواء الدافئ، ما قد يؤدي إلى تشكل السحب الركامية وحدوث زخات مطرية رعدية محلية، بالتزامن مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة في بعض المناطق.
وفي الموضوع يقول البروفيسور سعيد قروق، أستاذ علم المناخ بجامعة السوربون، أن المنظومة المناخية لكوكب الأرض دخلت مرحلة جديدة ومتحولة تماماً عما ألفته البشرية لثلاثة أجيال خلت على الأقل، مشيراً إلى أن ما يشهده المغرب ليس معزولاً عن هذا السياق الكوكبي الذي تتصدره اليوم عودة ظاهرة “النينيو” بطاقة حرارية غير مسبوقة.
وفكك قروق الآلية العلمية لظاهرة “النينيو”، مبيناً أنها لا تُنشئ الحرارة من العدم، بل تقوم بإعادة توزيع كتل حرارية هائلة كانت متراكمة في غرب المحيط الهادئ ونشرها على طول النطاق الاستوائي.
وأضاف أن المحيط الهادئ، الذي يغطي وحده ما يقارب نصف مساحة الكرة الأرضية، شهد طفرة حرارية تاريخية بلغت ذروتها سنة 2023؛ وبما أن المحيطات هي المزود الرئيسي للنظام الجوي بالطاقة الحرارية، فإن تلاقي هذه المياه الساخنة مع الغلاف الجوي جعل من “النينيو” الحالي ظاهرة فائقة القوة تؤثر ارتداداتها على مناخ العالم بأسره، وضمنه المغرب.
وفي تفسيره للمشهد الجوي الراهن بالمغرب، أشار أستاذ المناخ إلى أن فصل الخريف يُعد بطبيعته مرحلة انتقالية بين صيف حار ورطب وشتاء بارد؛ حيث تتصادم الكتل الهوائية الدافئة السطحية مع هواء بارد في الطبقات العليا، ما ينتج عنه نشوء “العواصف الرعدية”.
غير أن الفارق اليوم – يوضح قروق – هو أن هذه الآلية الطبيعية باتت تتغذى على حرارة الصيف المرتفعة أصلاً بفعل الاحترار والنينيو؛ مما يؤدي إلى تشكل عواصف رعدية عنيفة وحرارة غير مألوفة، تنتج عنها تساقطات مطرية شديدة التركيز في الزمان والمكان، تعجز التربة والوسط السطحي عن استيعابها، فتتحول سريعاً إلى فيضانات وسيول جارفة، وهو نمط جوي مرجح أن يتواصل إلى غاية شهر نوفمبر.
وفي استشرافه للمرحلة المقبلة، دق البروفيسور سعيد قروق ناقوس الخطر بشأن فصل الشتاء، مستنداً إلى أبحاثه الممتدة منذ تسعينيات القرن الماضي، والتي تثبت وجود “ارتباط عضوي طاقي” بين ظاهرة “النينيو” وتكرار فترات الجفاف في المغرب.
وشرح قروق أن الطاقة الحرارية الاستوائية الفائضة تساهم في تقوية وتوسيع “المرتفع الآصوري” (شبه المداري)، ليتحول إلى “جدار صد” أو حاجز ضغط منيع يمنع الكتل الهوائية الباردة والاضطرابات الجوية المحملة بالأمطار القادمة من شمال المحطلسي من الوصول إلى سماء المغرب، مما يُبقي الأجواء جافة ومشمشة.





