حجم الخط + -
5 دقائق للقراءة

من عالم التكنولوجيا والمعلوميات إلى قيادة مؤسسات استراتيجية كبرى، استطاع فؤاد البريني أن يبني مساراً مهنياً يجمع بين الخبرة التقنية والتجربة المقاولاتية والتدبير المؤسساتي، ليصبح أحد أبرز الأسماء المرتبطة بتطور المنظومة المينائية والصناعية المغربية. وبين طنجة المتوسط والناظور غرب المتوسط، يبرز اسمه ضمن المسؤولين الذين يواكبون تنزيل الرؤية الملكية الرامية إلى تعزيز موقع المملكة في التجارة الدولية وسلاسل الإنتاج العالمية.

بعيداً عن الأضواء والحضور الإعلامي المكثف، يواصل فؤاد البريني أداء مهامه على رأس مجلس الرقابة للوكالة الخاصة طنجة المتوسط، وهي المؤسسة التي تضطلع بدور محوري في تحديد التوجهات الاستراتيجية للمجموعة ومراقبة تدبيرها، في وقت أصبحت فيه منظومة طنجة المتوسط واحدة من أهم المنصات المينائية والصناعية في القارة الإفريقية وحوض البحر الأبيض المتوسط.

ولعل ما يميز المسار المهني للبريني هو انتقاله من عالم المقاولة الخاصة والتكنولوجيا إلى تدبير مشاريع عمومية ذات أبعاد اقتصادية واستراتيجية، مستفيداً من تجربة راكمها داخل شركات دولية ومؤسسات وطنية، قبل أن يجد نفسه في قلب التحولات الكبرى التي شهدتها البنيات التحتية المغربية خلال العقدين الأخيرين.

من تطوان إلى فرنسا.. تكوين علمي يجمع الهندسة بالتدبير

ولد فؤاد البريني يوم 23 ماي 1962 بمدينة تطوان، قبل أن يقضي جزءاً من شبابه بمدينة القنيطرة، حيث تابع دراسته الثانوية بالثانوية العسكرية الملكية الأولى.

وبعد استكمال دراسته الثانوية، انتقل إلى فرنسا لمتابعة تكوينه العالي بمدرسة علوم المهندسين بمدينة مونبلييه، حيث حصل سنة 1986 على دبلوم مهندس في الإلكترونيات الدقيقة وتصميم الأنظمة.

anapec 2

ولم يتوقف تكوينه عند الجانب التقني، إذ واصل دراسته بمعهد إدارة المقاولات بمونبلييه، وحصل سنة 1987 على دبلوم الدراسات العليا المتخصصة في الإدارة والتدبير.

وقد مكنه هذا المسار الأكاديمي من الجمع بين المعرفة الهندسية والتكوين الإداري، وهما مجالان شكلا لاحقاً أساساً لتجربته في المقاولة وتدبير المؤسسات الكبرى.

تجربة دولية في التكنولوجيا قبل دخول عالم المقاولة

بدأ البريني مسيرته المهنية داخل شركات دولية متخصصة في التكنولوجيا والمعلوميات، من بينها Control Data France وIBM، قبل أن يلتحق بمجموعة BULL، حيث ساهم في دراسة وتنفيذ حلول معلوماتية لفائدة مؤسسات ومنظمات كبرى.

وفي سنة 1992، اختار خوض تجربة العمل المقاولاتي، بعدما غادر عالم الشركات متعددة الجنسيات لتأسيس وتطوير مقاولات متخصصة في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.

وامتدت هذه التجربة لنحو 14 سنة، شارك خلالها في إنجاز مشاريع مرتبطة بأنظمة المعلومات لفائدة وزارات ومؤسسات عمومية وخاصة.

كما برز حضوره في عدد من المبادرات المرتبطة بتطوير الاقتصاد الرقمي بالمغرب، حيث ساهم سنة 1996 في تأسيس جمعية «المغرب التنافسي»، قبل أن يصبح سنة 1997 عضواً في اللجنة الوطنية لتتبع تكنولوجيات المعلومات.

وفي سنة 1998، تولى رئاسة جمعية مهنيي تكنولوجيا المعلومات APEBI، التابعة للاتحاد العام لمقاولات المغرب، كما أصبح سنة 2000 عضواً في المجلس الأعلى للإنعاش الوطني والتخطيط.

وتعكس هذه المحطات انخراط البريني المبكر في قضايا التحديث التكنولوجي والتنافسية الاقتصادية، قبل انتقاله إلى مسؤوليات مرتبطة بالتنمية الترابية والمشاريع الاستراتيجية.

سنة 2006.. بداية مرحلة جديدة في تدبير المشاريع الكبرى

شكلت سنة 2006 منعطفاً أساسياً في المسار المهني لفؤاد البريني، بعدما عينه الملك محمد السادس مديراً عاماً لوكالة إنعاش وتنمية أقاليم وعمالات الشمال.

وقد وضعه هذا التعيين أمام مسؤوليات جديدة مرتبطة بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية، بعد سنوات من العمل في القطاع الخاص.

وفي السنة نفسها، انضم إلى الوكالة الخاصة طنجة المتوسط عضواً في مجلس الرقابة، إلى جانب توليه مهام داخل مجالس إدارة شركات تابعة للمجموعة.

وفي سنة 2010، أصبح متصرفاً بشركة تهيئة وإعادة توظيف المنطقة المينائية لطنجة المدينة، قبل أن يحظى في يناير 2014 بالتعيين الملكي رئيساً لمجلس الرقابة للوكالة الخاصة طنجة المتوسط.

ومنذ ذلك التاريخ، ظل البريني مرتبطاً بالقيادة الاستراتيجية لهذه المؤسسة، التي تحولت منظومتها المينائية والصناعية إلى أحد أهم محركات الاقتصاد الوطني.

طنجة المتوسط.. مشروع استراتيجي يعزز مكانة المغرب عالمياً

يرتبط اسم فؤاد البريني اليوم بمنظومة طنجة المتوسط، التي أصبحت نموذجاً بارزاً للتحول الاقتصادي والصناعي الذي عرفته المملكة.

فالمشروع الذي انطلق في إطار الرؤية الاستراتيجية للملك محمد السادس لم يقتصر على إنشاء بنية مينائية لاستقبال السفن والحاويات، بل تطور إلى منظومة متكاملة تجمع بين الموانئ والخدمات اللوجستية والمناطق الصناعية والاستثمارات الدولية.

وفي هذا السياق، يتولى مجلس الرقابة الذي يرأسه البريني تحديد التوجهات الاستراتيجية الكبرى للمجموعة، إلى جانب مراقبة التدبير الذي يباشره مجلس الإدارة الجماعية.

وهو ما يجعل منصبه ذا أهمية خاصة في منظومة الحكامة، بالنظر إلى ارتباط قرارات المجموعة باستثمارات صناعية ولوجستية كبرى وبشراكات اقتصادية دولية.

وقد أكد البريني، في حوار سابق مع موقع Maritime News، أن طنجة المتوسط يجسد الرؤية الملكية الرامية إلى إرساء نموذج مندمج للتنمية الجهوية، وجعل المغرب شريكاً فاعلاً في التجارة الدولية.

كما أبرز أهمية التحول الرقمي والاستدامة البيئية وتطوير الخدمات اللوجستية في تعزيز تنافسية المركب المينائي، وهي توجهات أصبحت جزءاً من استراتيجية تطوير المنظومة.

أرقام تعكس التحول الاقتصادي والصناعي

تكشف المؤشرات الرسمية حجم التطور الذي بلغته منظومة طنجة المتوسط خلال السنوات الأخيرة.

فبحسب الحصيلة الرسمية لسنة 2025، عالجت محطات الحاويات الأربع بالمركب المينائي ما مجموعه 11.106.164 حاوية مكافئة لعشرين قدماً، بزيادة بلغت 8.4 في المائة مقارنة بسنة 2024.

كما استقبل المركب خلال السنة نفسها أزيد من 535 ألف شاحنة للنقل الدولي، في مؤشر على الدور المتنامي للميناء في مواكبة الصادرات الصناعية والفلاحية المغربية.

وعلى المستوى الصناعي، أظهرت معطيات المجموعة لسنة 2025 أن حجم معاملات مناطق الأنشطة الاقتصادية بلغ 188 مليار درهم، فيما وصل العدد التراكمي لمناصب الشغل المحدثة إلى نحو 145 ألف منصب.

وتعكس هذه الأرقام الأهمية الاقتصادية للمنظومة التي يساهم البريني في توجيهها من موقعه رئيساً لمجلس الرقابة، مع الإشارة إلى أن هذه النتائج تمثل حصيلة عمل مؤسساتي جماعي تشارك فيه مختلف أجهزة الحكامة والإدارة والشركات التابعة والشركاء الاقتصاديين.

من طنجة المتوسط إلى الناظور غرب المتوسط.. ثقة ومسؤوليات استراتيجية

لم يعد حضور فؤاد البريني مقتصراً على طنجة المتوسط، بل امتد إلى مشروع استراتيجي آخر يتعلق بالمركب المينائي والصناعي الناظور غرب المتوسط.

وقد برز اسمه مجدداً خلال اجتماع العمل الذي ترأسه الملك محمد السادس، يوم 28 يناير 2026 بالقصر الملكي بالدار البيضاء، والذي خصص لتتبع تقدم إنجاز هذا المشروع.

وحسب بلاغ رسمي للديوان الملكي، قدم فؤاد البريني، بصفته رئيساً لمجلس إدارة الناظور غرب المتوسط، عرضاً أمام الملك حول تقدم الأشغال والإنجازات المحققة.

ويكتسي هذا المشروع أهمية استراتيجية في إطار الرؤية الملكية الرامية إلى إرساء منظومة مينائية وطنية متكاملة، قادرة على تعزيز تنافسية الاقتصاد المغربي وربطه بسلاسل القيمة العالمية.

كما يشكل الناظور غرب المتوسط امتداداً للطموح الذي جسده مشروع طنجة المتوسط، مع التركيز على تطوير البنيات المينائية والصناعية واللوجستية والطاقية، والمساهمة في تحقيق تنمية ترابية أكثر توازناً.

وكان البلاغ الملكي قد حدد الربع الأخير من سنة 2026 أفقاً للإطلاق التشغيلي للميناء، وهو ما يجعل هذه المرحلة حاسمة في مسار المشروع.

مسؤولية في الحكامة الاستراتيجية للمؤسسات

إلى جانب رئاسته مجلس الرقابة للوكالة الخاصة طنجة المتوسط، يتولى فؤاد البريني أيضاً رئاسة مجلس إدارة السلطة المينائية طنجة المتوسط، وفق البيانات المنشورة لدى الهيئة المغربية لسوق الرساميل.

وتبرز هذه المسؤوليات تعدد مستويات اشتغاله داخل المنظومة المينائية، سواء من حيث التوجيه الاستراتيجي أو الحكامة المؤسساتية.

كما يرأس لجنة الاستراتيجية والاستثمارات التابعة لمجلس الرقابة للوكالة الخاصة طنجة المتوسط، وهي اللجنة المكلفة بمواكبة تحديد التوجهات الاستراتيجية للمجموعة ودراسة برامج الاستثمار والميزانيات والخيارات الكبرى المعروضة على المجلس.

ويعكس هذا الموقع طبيعة المسؤوليات التي يضطلع بها البريني داخل مؤسسات ترتبط مباشرة بالتنمية الاقتصادية والاستثمار والبنيات التحتية.

شخصية بعيدة عن الأضواء وقريبة من الملفات الاستراتيجية

رغم حجم المسؤوليات التي يتولاها، لا يرتبط اسم فؤاد البريني بحضور إعلامي مكثف، بقدر ما يرتبط بالملفات الاقتصادية والمشاريع المؤسساتية الكبرى.

وقد سلطت مجلة Jeune Afrique الضوء على هذه السمة في بورتريه تناول مساره المهني، ونقلت عنه وسائل إعلام مغربية وصفاً له باعتباره مسؤولاً يفضل العمل بعيداً عن الأضواء، مع اهتمام بالتفاصيل التشغيلية والتقنية للمشاريع التي يشرف على حكامتها.

وبحسب البورتريه نفسه، فإن تجربته في القطاع الخاص انعكست على مقاربته المهنية، التي تمنح أهمية للفعالية والنجاعة ومواكبة احتياجات المستثمرين.

غير أن أهمية هذه التجربة لا تقاس فقط بطبيعة أسلوبه في التدبير، وإنما أيضاً بحجم المؤسسات والمشاريع التي ارتبط بها خلال مساره، من التكنولوجيا والمقاولة إلى التنمية الجهوية، وصولاً إلى المشاريع المينائية ذات البعد الدولي.

فؤاد البريني.. مسار يعكس تحول المغرب نحو اقتصاد أكثر تنافسية

بعد أكثر من ثلاثة عقود من التجربة المهنية، يقدم مسار فؤاد البريني نموذجاً لانتقال الكفاءات المغربية من مجالات التكنولوجيا والمقاولة إلى مواقع المسؤولية داخل المؤسسات الاستراتيجية.

فمن مهندس متخصص في الأنظمة الإلكترونية إلى مقاول في قطاع المعلوميات، ثم مسؤول عن التنمية الاقتصادية بالشمال، وصولاً إلى رئاسة مجلس الرقابة لطنجة المتوسط ومجلس إدارة الناظور غرب المتوسط، تتقاطع محطات مساره مع مراحل مهمة من التحول الاقتصادي الذي عرفته المملكة.

وإذا كانت المشاريع المينائية والصناعية المغربية تمثل ثمرة رؤية ملكية واستثمارات كبرى وجهود مؤسساتية متواصلة، فإن تجربة البريني تبرز أهمية الحكامة والخبرة التقنية والتدبير الاستراتيجي في مواكبة هذه الأوراش.

وبين طنجة المتوسط الذي رسخ مكانته بوابةً للمغرب نحو التجارة العالمية، والناظور غرب المتوسط الذي يستعد لمرحلة تشغيلية جديدة، يظل فؤاد البريني واحداً من المسؤولين الحاضرين في قلب التحولات المينائية والصناعية الكبرى للمملكة، ضمن مسار مهني جمع بين الخبرة الهندسية والتجربة المقاولاتية والمسؤولية المؤسساتية.