حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، بدأت ملامح خريطة سياسية جديدة تتشكل في عدد من جماعات إقليم تارودانت، وفي مقدمتها الكدية البيضاء والمنيزلة وأهل الرمل وجماعات أخرى، حيث يتزايد الالتفاف الشعبي والسياسي حول عبد الصمد قيوح، في ارتباط بما يعتبره مؤيدوه حصيلة ملموسة من المشاريع التي استطاع الترافع من أجلها لفائدة هذه المناطق.

anapec 2
narsa 3

وبحسب المعطيات التي تتوفر عليها الجريدة، فإن قيوح وظف شبكة علاقاته وحضوره السياسي والمؤسساتي في الدفع بعدد من الملفات التنموية إلى الأمام، خصوصا المشاريع المرتبطة بالماء والطرق والبنيات التحتية وفك العزلة عن الدواوير، وهي ملفات ظلت لسنوات في صدارة مطالب الساكنة.

هذه الدينامية لم تمر دون أثر سياسي، إذ ساهمت المشاريع التي استفادت منها هذه المناطق في تعزيز حضور قيوح بمنطقة هوارة و اقليم تارودانت، وأصبحت تشكل أحد الأسباب الرئيسية وراء التفاف الساكنة والمنتخبين والفاعلين السياسيين حوله، خصوصا مع اقتراب الانتخابات وبدء إعادة ترتيب التحالفات والحسابات داخل الجماعات.

وفي المقابل، وجد عدد من رؤساء الجماعات أنفسهم في موقف لا يُحسدون عليه، بعدما واجه تدبيرهم للمرحلة انتقادات محلية مرتبطة بضعف الحصيلة في عدد من الملفات، قبل أن يأتي تدخل قيوح وتحركات المنتخبين المحسوبين على حزب الاستقلال ليعيد تحريك مشاريع ومطالب كانت تنتظرها الساكنة.

وتبرز جماعة الكدية البيضاء بقوة في هذا السياق، حيث استطاع طه التويل، العضو المعارض بالمجلس الجماعي عن حزب الاستقلال، أن يبرز كأحد أكثر الوجوه نشاطاً في الترافع عن المنطقة، من خلال مساهمته في الدفع بعدد من المشاريع لفائدة مركز الجماعة والدواوير التابعة لها، مستفيداً بدوره من الدعم والتنسيق السياسي مع قيوح.

الحضور المتزايد للتويل جعل اسمه يتردد بقوة بين شباب المنطقة، حتى أصبح البعض يناديه بـ«الرايس» ، في تعبير يحمل دلالة سياسية واضحة، خصوصا أن الأمر يتعلق بعضو في المعارضة بات يُنسب إليه الترافع عن مشاريع عجزت الأغلبية، بحسب منتقديها، عن إخراجها أو الدفع بها بالسرعة المطلوبة.

ولا تبدو الكدية البيضاء حالة معزولة، إذ يظهر السيناريو نفسه بدرجات متفاوتة في المنيزلة وأهل الرمل وجماعات أخرى، حيث ساهمت تحركات قيوح وعلاقاته في الدفع بملفات تنموية إلى الواجهة، بينما أصبح منتخبون وفاعلون محليون قريبون منه يلعبون أدواراً متزايدة في الترافع عن حاجيات مناطقهم.

والمفارقة السياسية اليوم أن المعارضة في بعض هذه الجماعات أصبحت هي التي تنافس على جلب المشاريع والترافع عنها، في وقت تجد فيه بعض الأغلبيات المسيرة نفسها مطالبة بالدفاع عن حصيلتها أمام ساكنة تقارن بين ما تحقق خلال سنوات من التدبير وما يجري تحريكه اليوم.

وبهذا المعنى، يكون قيوح قد ساهم، في “الدقائق الأخيرة” من عمر الولاية الانتدابية، في رفع جزء من الحرج عن بعض رؤساء الجماعات وحفظ ماء وجه مجالسهم من خلال المشاريع التي وصلت أو يجري الدفع بها نحو مناطقهم، لكن النتيجة السياسية تبدو paradoxale: المشاريع التي خففت الضغط عن هذه المجالس نفسها عززت، في المقابل، الحضور السياسي لقيوح وحزب الاستقلال.

وهو ما يفسر حالة الالتفاف التي بدأت تتشكل حوله، سواء وسط الساكنة أو داخل الأوساط السياسية المحلية، بالتوازي مع تقارب أو انتقال بعض المنتخبين والفاعلين نحو حزب الاستقلال مع اقتراب موعد الانتخابات.

اليوم، لم يعد النقاش في هذه المناطق مرتبطاً فقط بمن يرأس الجماعة ومن يوجد في المعارضة، بل أصبح السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: من استطاع جلب المشاريع إلى المنطقة؟ ومن امتلك العلاقات والقدرة على الترافع وتحويل مطالب الساكنة إلى أوراش على أرض الواقع؟

وإذا استمرت هذه الدينامية إلى غاية الانتخابات، فإن المشاريع التي تحركت في الكدية البيضاء والمنيزلة وأهل الرمل وغيرها قد تتحول من مجرد حصيلة تنموية إلى رصيد انتخابي وسياسي ثقيل لقيوح، وربما إلى أحد أهم العوامل التي ستحدد اتجاه أصوات جزء مهم من ساكنة هذه الجماعات خلال الاستحقاقات المقبلة.