تُعد عائلة قيوح واحدة من أبرز العائلات السياسية بجهة سوس ماسة، بعدما نجحت على امتداد عقود في ترسيخ حضورها داخل المؤسسات المنتخبة والهيئات المهنية والبرلمان والحكومة. فمن الإرث السياسي والاجتماعي للراحل الحاج علي قيوح، إلى المسار الوطني لابنه عبد الصمد قيوح، وزير النقل واللوجستيك حالياً، ثم الحضور الجهوي والحزبي لزينب قيوح، تحول اسم العائلة إلى أحد الأسماء المؤثرة في المشهد السياسي بإقليم تارودانت وسوس ماسة.
ويجسد عبد الصمد قيوح اليوم الامتداد الوطني لهذه التجربة، بعدما عينه الملك محمد السادس، بتاريخ 23 أكتوبر 2024، وزيراً للنقل واللوجستيك في حكومة عزيز أخنوش. وبذلك أصبح مسؤولاً عن واحد من أهم القطاعات الاستراتيجية بالمملكة، بما يشمله من نقل طرقي وسككي وجوي وبحري، إضافة إلى الأوراش الكبرى المتعلقة بالمطارات والسكك الحديدية والمنظومة اللوجستية.
وقبل توليه وزارة النقل واللوجستيك، شغل عبد الصمد قيوح منصب وزير الصناعة التقليدية ما بين 2012 و2013، كما راكم تجربة برلمانية طويلة منذ انتخابه أول مرة سنة 1997 عن دائرة تارودانت الجنوبية، فضلاً عن توليه منصب النائب الأول لرئيس مجلس المستشارين ومسؤوليات قيادية داخل حزب الاستقلال.
حين يُكتب التاريخ السياسي لجهة سوس ماسة، يصعب تجاوز اسم عائلة قيوح، التي لم يكن حضورها مرتبطاً بمحطة انتخابية عابرة، بل امتد عبر أجيال متعاقبة، انطلاقاً من العمل الفلاحي والاجتماعي المحلي، مروراً بالمؤسسات المنتخبة، وصولاً إلى البرلمان والحكومة وقيادة حزب الاستقلال.
من أولاد تايمة، حيث تشكلت الجذور الأولى لهذه التجربة، نجحت العائلة في بناء حضور سياسي وتنظيمي ظل صامداً أمام تحولات الخريطة الحزبية وتغيّر موازين القوى داخل إقليم تارودانت وجهة سوس ماسة. وبين إرث الراحل الحاج علي قيوح، والمسار الحكومي والبرلماني لعبد الصمد قيوح، والحضور الجهوي والحزبي لزينب قيوح، برز نموذج سياسي عائلي حافظ على استمراريته دون أن يفقد ارتباطه بمجاله الترابي.
الحاج علي قيوح.. من الأرض بدأت الحكاية
ارتبطت البدايات السياسية للعائلة باسم الراحل الحاج علي قيوح، الذي كان واحداً من أبرز وجوه حزب الاستقلال في سوس ماسة، وراكم حضوراً طويلاً داخل المؤسسات المنتخبة والهيئات المهنية، خصوصاً المرتبطة بالقطاع الفلاحي.
لم يكن الحاج علي قيوح مجرد اسم انتخابي يظهر خلال الحملات ثم يختفي، بل كان من الشخصيات التي صنعت حضورها من خلال القرب من الفلاحين والمهنيين وسكان المنطقة. وقد تولى رئاسة المجلس الجماعي لأولاد تايمة، وانتُخب نائباً برلمانياً عن إقليم تارودانت في أكثر من ولاية، كما تقلد مسؤوليات داخل حزب الاستقلال، من بينها عضوية المكتب السياسي.
وامتد حضوره داخل الغرفة الفلاحية لسوس ماسة لسنوات طويلة، في مرحلة كان فيها القطاع الفلاحي يشكل، ولا يزال، أحد أعمدة الاقتصاد الجهوي ومصدر عيش آلاف الأسر. لذلك لم يكن غريباً أن يرتبط اسمه في الذاكرة المحلية بقضايا الأرض والفلاح والعالم القروي والعمل الاجتماعي.
وقد ظل الراحل يحظى بمكانة خاصة لدى فئات واسعة من ساكنة سوس، حتى أصبح معروفاً بألقاب شعبية من قبيل «بابا علي» و«بابا الحاج»، وهي تسميات تعكس طبيعة العلاقة التي نسجها مع محيطه، أكثر مما تعكس منصباً رسمياً أو صفة انتخابية.
عبد الصمد قيوح.. من تمثيل تارودانت إلى تدبير قطاعات استراتيجية
واصل عبد الصمد قيوح المسار السياسي للعائلة، لكنه نجح في نقله من دائرة النفوذ المحلي والجهوي إلى مستوى المسؤولية الوطنية.
فمنذ انتخابه نائباً برلمانياً عن دائرة تارودانت الجنوبية سنة 1997، حافظ قيوح على حضور متواصل داخل المؤسسة التشريعية، مجدداً ثقة الناخبين خلال ولايات متعاقبة. وتؤكد معطيات مجلس النواب عضويته خلال ولايات 1997-2002 و2002-2007 و2007-2012، قبل أن يواصل حضوره السياسي والانتخابي في المراحل اللاحقة. كما انتُخب مجدداً عن الدائرة نفسها خلال انتخابات 2021.
هذا الاستمرار لأزيد من ربع قرن لا يمكن تفسيره فقط بقوة التنظيم الحزبي أو بالاسم العائلي؛ فالانتخابات، في نهاية المطاف، اختبار متكرر لعلاقة السياسي بالناخبين، والقدرة على الاحتفاظ بالمقعد لولايات متتالية تعكس وجود امتداد اجتماعي وتنظيمي حقيقي داخل المنطقة.
وعلى المستوى الحكومي، تولى عبد الصمد قيوح حقيبة الصناعة التقليدية ما بين سنتي 2012 و2013، قبل أن يعود إلى الحكومة في أكتوبر 2024 وزيراً للنقل واللوجستيك، وهو قطاع استراتيجي يرتبط بالسكك الحديدية والمطارات والنقل الطرقي والبحري والمنظومة اللوجستية الوطنية.
كما راكم تجربة داخل مجلس المستشارين، حيث تولى منصب النائب الأول لرئيس المجلس، إلى جانب عضويته في القيادة التنفيذية لحزب الاستقلال وتحمله مسؤولية التنسيق الجهوي للحزب بسوس ماسة.
وهكذا، انتقل اسم قيوح من الدفاع عن قضايا الفلاحة والعالم القروي إلى المشاركة في تدبير ملفات وطنية كبرى، من بينها تحديث البنية التحتية للنقل وتطوير المطارات والسكك الحديدية وتعزيز التنافسية اللوجستية للمملكة.
ومن بين الأوراش التي يشرف عليها قطاع النقل، البرنامج الاستثماري المرتبط برؤية «مطارات 2030»، بكلفة تقارب 28 مليار درهم، إلى جانب مشاريع تحديث المحطات السككية وتطوير المنصات الصناعية واللوجستية. وهي مسؤوليات تجعل عبد الصمد قيوح أمام اختبار تدبيري يتجاوز حدود سوس ليشمل مستقبل النقل الوطني بأكمله.
زينب قيوح.. حضور نسائي داخل المؤسسات والقيادة الحزبية
لم يتوقف امتداد العائلة عند الحاج علي وعبد الصمد قيوح، بل برزت زينب قيوح باعتبارها وجهاً نسائياً داخل حزب الاستقلال والمؤسسات المنتخبة.
دخلت زينب قيوح مجلس النواب خلال الولاية التشريعية 2016-2021، بعد شغور المقعد الذي كان يشغله والدها الراحل علي قيوح، وانضمت إلى لجنة القطاعات الإنتاجية داخل المؤسسة التشريعية. ولم يبق حضورها محصوراً في البرلمان، إذ انتُخبت سنة 2021 نائبة أولى لرئيس مجلس جهة سوس ماسة، في موقع يمنحها مسؤولية مباشرة في تدبير ملفات التنمية الجهوية.
كما تحملت مسؤوليات تنظيمية داخل حزب الاستقلال، وأصبحت عضواً في لجنته التنفيذية، بما يؤكد أن حضورها لم يعد مجرد امتداد عائلي، وإنما تحول إلى مسار سياسي وحزبي قائم داخل مؤسسات القرار.
ويحمل وصول امرأة من أولاد تايمة إلى هذه المواقع دلالة خاصة؛ فهو يعكس تطور المشاركة النسائية في تدبير الشأن العام، ويمنح نساء المناطق القروية وشبه الحضرية في سوس نموذجاً للحضور داخل المؤسسات المنتخبة والقيادات الحزبية.
نفوذ سياسي صمد أمام تغير الخريطة الانتخابية
عرفت سوس ماسة خلال العقود الأخيرة تحولات سياسية عميقة، وبرزت داخلها أحزاب وقيادات جديدة، كما تغيرت التحالفات وتوزعت مواقع رئاسة الجماعات والمجالس الإقليمية والجهوية بين قوى متعددة.
ورغم هذه التحولات، حافظت عائلة قيوح على موقعها داخل المعادلة السياسية. ففي انتخابات 2021، تمكن عبد الصمد قيوح من الاحتفاظ بمقعده البرلماني عن تارودانت الجنوبية، بينما وصلت زينب قيوح إلى منصب النائبة الأولى لرئيس مجلس جهة سوس ماسة.
ويكشف هذا الحضور المتزامن داخل البرلمان والحكومة ومجلس الجهة وقيادة حزب الاستقلال عن شبكة سياسية وتنظيمية متجذرة، امتدت من أولاد تايمة وهوارة إلى تارودانت وباقي أقاليم سوس ماسة.
غير أن قوة العائلة لا ترتبط بالمناصب وحدها، بل أيضاً بقدرتها على الحفاظ على علاقة مستمرة مع المنتخبين والمهنيين والفلاحين والفاعلين المحليين. وهي علاقة تشكلت على مدى عقود، منذ المرحلة التي كان فيها الحاج علي قيوح واحداً من أبرز ممثلي القطاع الفلاحي، وصولاً إلى الجيل الحالي الذي يتحرك داخل مؤسسات أكثر اتساعاً وتعقيداً.
عراقة سياسية تُقاس بالاستمرار والنتائج
لا تعني عراقة عائلة سياسية أنها بمنأى عن التقييم أو المساءلة؛ فكل حضور طويل داخل المؤسسات يفرض مسؤولية أكبر تجاه المواطنين. كما أن الحصيلة التنموية لا تُقاس بعدد المناصب أو مدة البقاء في البرلمان، وإنما بما يتحقق على الأرض من طرق ومستشفيات ومدارس وفرص شغل وماء وتجهيزات وخدمات عمومية.
لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن عائلة قيوح استطاعت الحفاظ على موقعها داخل المشهد السوسي والوطني لعدة عقود، في وقت اختفت فيه أسماء وتجارب سياسية كثيرة بعد ولاية أو ولايتين.
لقد صنعت العائلة حضورها انطلاقاً من الفلاحة والتجارة والعمل الاجتماعي، ثم وسعته عبر الجماعة والغرفة المهنية والبرلمان ومجلس الجهة والحكومة. واستطاعت أن تجعل من اسم قيوح واحداً من أكثر الأسماء حضوراً في تاريخ العمل السياسي بإقليم تارودانت وجهة سوس ماسة.
إرث مستمر ومسؤولية متجددة
من الحاج علي قيوح، الذي رسخ الحضور الاجتماعي والسياسي للعائلة، إلى عبد الصمد قيوح الذي بلغ مواقع المسؤولية الحكومية، ثم زينب قيوح التي عززت حضور المرأة داخل المؤسسات، تبدو عائلة قيوح وكأنها أمام قصة سياسية تتوارث فيها الأجيال المسؤولية، وليس الاسم فقط.
إنها عائلة عريقة في المشهد السوسي، اكتسبت مكانتها عبر عقود من الحضور والعمل والاحتكاك اليومي بقضايا المواطنين. غير أن الحفاظ على هذا الإرث يظل مرتبطاً بالقدرة على تحويل النفوذ السياسي إلى أثر تنموي ملموس، خصوصاً في إقليم تارودانت الذي ما يزال ينتظر أجوبة قوية عن تحديات الصحة والتعليم والماء والتشغيل والبنية التحتية.
وبين تاريخ صنعه الآباء ومسؤولية يتحملها الأبناء، يبقى اسم قيوح رقماً أساسياً في السياسة السوسية، وواحداً من أبرز النماذج العائلية التي استطاعت الانتقال من خدمة الأرض والفلاح إلى المشاركة في تدبير مؤسسات الدولة.


