لم يعد مهرجان تيميتار، الذي يُفترض أن يكون موعداً سنوياً للاحتفاء بالثقافة الأمازيغية والانفتاح الموسيقي، يمرّ دون إثارة الجدل. فمع كل دورة جديدة، تتعالى أصوات التساؤل والانتقاد، ليس بدافع معاداة الفن أو الثقافة، بل نتيجة شعور متزايد لدى فئات واسعة من المواطنين بأن المهرجان بات منفصلا عن واقع المدينة وسياقها الاجتماعي والاقتصادي.
يبدو أن الإصرار على تنظيم مهرجان تيميتار في هذا التوقيت بالذات لم يعد مجرد اختيار برمجي، بل تحول إلى استفزاز صريح لمشاعر المغاربة، وقطيعة واضحة مع الواقع الاجتماعي والإنساني الذي تعيشه البلاد. فكيف يُعقل أن تُنصب المنصات، وتُشغَّل مكبرات الصوت، وتُصرف الملايين على السهرات، بينما لا تزال فاجعة فاس تنزف في ذاكرة الوطن؟
فاجعة هزّت الضمير الجماعي، وعرّت اختلالات خطيرة في منظومة التعمير والمراقبة، وخلّفت ضحايا وأسرًا مكلومة، ما كان يفرض، أخلاقياً قبل أي شيء، التريث، أو على الأقل التحلي بقدر من الحياء. غير أن ما وقع هو العكس تماماً: احتفال في عز الحداد غير المعلن، وفرح مصطنع فوق جراح لم تندمل بعد.
وإذا أضفنا إلى هذا المشهد القاتم ما تعيشه مدينة أكادير من ركود تجاري غير مسبوق، تتجلى المفارقة الصادمة. محلات مغلقة، تجار يئنون تحت وطأة الخسائر، شباب بلا أفق، ومدينة تبحث عن إنقاذ اقتصادي حقيقي… في مقابل مهرجان لا يُقنع أحداً بعوائده، ولا يلمس المواطن البسيط أي أثر إيجابي له في يومياته.
الأدهى من ذلك، أن المهرجان يُقدَّم وكأنه إنجاز تنموي، في حين يغيب النقاش حول كلفته الحقيقية، ومعايير صرف ميزانيته، والمستفيدين الفعليين منه. أي تنمية هذه التي تُقاس بعدد الحفلات؟ وأي إشعاع هذا الذي لا يشعر به إلا قلة محظوظة، بينما الأغلبية تكتفي بالمشاهدة من الهامش؟
إن الثقافة ليست رقصا على الألم، ولا موسيقى تُعزف فوق أنقاض الفواجع. الثقافة موقف، وإحساس، ومسؤولية. وكان الأجدر بالقائمين على مهرجان تيميتار أن يلتقطوا رسالة الشارع، وأن يثبتوا أن لديهم الحد الأدنى من الوعي بالسياق الوطني، عبر التأجيل أو الإلغاء، أو على الأقل تحويل المهرجان إلى فعل تضامني حقيقي، لا إلى عرض احتفالي أجوف.
اليوم، أكثر من أي وقت مضى، يحتاج المغرب إلى قرارات شجاعة، لا إلى مهرجانات تُزين الواجهة وتخفي الأعطاب. وما لم يُعاد النظر في طريقة تدبير هذا الحدث، وتوقيته، وفلسفته، سيظل مهرجان تيميتار في نظر فئات واسعة رمزاً لانفصال القرار الثقافي عن نبض الشارع… ووصمة عار في زمن كان يفترض فيه الصمت والاحترام.