حجم الخط + -
4 دقائق للقراءة

في الوقت الذي تتسابق فيه مدن مغربية نحو استقطاب الاستثمارات وإطلاق المشاريع الكبرى وتحديث بنياتها التحتية، يتصاعد بمدينة سطات سؤال محرج يصعب على المسؤولين المحليين والمنتخبين تجاهله: لماذا لم تتمكن مدينة بهذا الموقع والإمكانات من تحقيق التحول التنموي الذي ينتظره سكانها؟ وأين انعكاسات سنوات من التدبير والبرامج والوعود على الحياة اليومية للمواطن السطاتي؟

لم تعد القضية مجرد مطالب متفرقة تتعلق بإصلاح شارع أو تحسين خدمة عمومية أو معالجة اختلال في أحد الأحياء، بل تحولت إلى نقاش أعمق حول مستقبل مدينة تبدو، في نظر منتقدي حصيلتها التنموية، وكأنها فقدت قدرتها على مجاراة التحولات التي تعرفها مدن مغربية أخرى.

فمدينة سطات، التي يفترض أن يمنحها موقعها داخل جهة الدار البيضاء–سطات امتيازاً اقتصادياً وتنموياً مهماً، ما تزال تواجه أسئلة ثقيلة بشأن جاذبيتها الاستثمارية، وجودة مرافقها العمومية، وفرص الشغل المتاحة لشبابها، ومدى قدرة مؤسساتها المنتخبة على تحويل الإمكانات المتوفرة إلى مشاريع ملموسة.

مجالس تتعاقب.. والنتائج دون الانتظارات

لعل أكثر ما يثير الجدل بشأن واقع سطات هو أن تعاقب المجالس المنتخبة، وتغير التحالفات السياسية والأغلبيات المسيرة، لم ينهِ النقاش حول بطء التحول التنموي بالمدينة.

ففي كل محطة انتخابية، تتجدد الوعود بتحسين البنيات التحتية، وإنعاش الاقتصاد المحلي، وإحداث فرص الشغل، وتأهيل المرافق الجماعية، غير أن السؤال الذي يظل مطروحاً هو: ما الذي تحقق فعلياً من هذه الالتزامات؟ وما الذي تغير في حياة السكان؟

anapec 2

إن مسؤولية المجلس الجماعي لا تختزل في تدبير الملفات اليومية أو عقد الدورات والمصادقة على المقررات، وإنما تقاس أساساً بقدرته على بلورة رؤية واضحة، وتعبئة الموارد، واستقطاب الشراكات، وتحويل البرامج إلى إنجازات قابلة للتقييم.

والأمر نفسه ينسحب على المجلس الإقليمي وباقي المتدخلين في التنمية الترابية، إذ لا يكفي الإعلان عن البرامج أو الحديث عن الاعتمادات المالية ما لم تظهر آثارها على مستوى الخدمات والتجهيزات وتقليص الفوارق المجالية.

ومن هنا، يصبح من المشروع المطالبة بكشف حصيلة المشاريع المبرمجة والمنجزة، وتحديد نسب تقدمها، وأسباب تعثر بعضها، حتى يكون النقاش حول التنمية قائماً على النتائج والأرقام، لا على تبادل الشعارات والاتهامات السياسية.

مدينة داخل جهة اقتصادية كبرى.. لكن أين نصيبها من الاستثمار؟

توجد سطات ضمن جهة تضم أحد أهم المراكز الاقتصادية بالمملكة، وهو ما يجعل سؤال توزيع الاستثمارات العمومية والعدالة المجالية أكثر إلحاحاً.

فالانتماء إلى جهة ذات وزن اقتصادي لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد معطى جغرافي، بل يفترض أن ينعكس على فرص الاستثمار والتشغيل، وجودة التجهيزات الأساسية، وإمكانية استفادة مختلف المدن والأقاليم من الدينامية التنموية.

وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى تقييم موقع سطات ضمن البرامج الجهوية، والكشف عن حجم الاستثمارات المخصصة لها، ومقارنتها بحاجياتها الفعلية ومؤهلاتها الاقتصادية والاجتماعية.

ولا يتعلق الأمر بمطالبة المدينة بامتيازات على حساب غيرها، وإنما بطرح سؤال الإنصاف في توزيع المشاريع، وفعالية الترافع المؤسساتي، ومدى حضور المدينة في التصورات الاستراتيجية لمستقبل الجهة.

أين صوت البرلمانيين والنخب السياسية؟

إذا كانت المجالس الترابية تتحمل جانباً من مسؤولية تدبير التنمية المحلية، فإن المسؤولية السياسية لا تتوقف عند حدود الجماعة أو الإقليم.

فالممثلون البرلمانيون مطالبون، من موقع أدوارهم التشريعية والرقابية، بإثارة القضايا المرتبطة بحاجيات المدينة، والترافع من أجل تعزيز الاستثمار العمومي والخدمات الأساسية، ومساءلة القطاعات الحكومية بشأن البرامج التي تهم المنطقة.

والسؤال هنا ليس عن عدد اللقاءات والصور والأنشطة السياسية، بل عن حصيلة الترافع ونتائجه، وعن مدى انعكاس المبادرات السياسية على الملفات التي تؤرق المواطنين.

فالتمثيلية السياسية لا تستمد قيمتها من الحضور في المناسبات وحده، وإنما من القدرة على الدفاع عن قضايا الساكنة، ومتابعة الالتزامات العمومية، وتقديم حصيلة واضحة يمكن للمواطن تقييمها ومناقشتها.

الماء والنظافة والصحة.. حين تصبح الخدمات الأساسية عنواناً للاستياء

تظهر تحديات التنمية بصورة أكثر وضوحاً عندما ينتقل النقاش من البرامج الكبرى إلى تفاصيل الحياة اليومية.

فالملاحظات والشكاوى المرتبطة بجودة الماء وتدبير النظافة والنفايات تطرح تساؤلات تستوجب أجوبة تقنية ومؤسساتية واضحة، وتواصلاً منتظماً مع المواطنين بشأن طبيعة الإشكالات والإجراءات المتخذة لمعالجتها.

وفي المجال الصحي، تبرز أهمية تعزيز العرض الطبي، والرفع من جودة الخدمات والتجهيزات، بما يسمح بتلبية الحاجيات المتزايدة للسكان والحد من الصعوبات المرتبطة بالاستفادة من العلاج.

أما الشباب، الذين يفترض أن يشكلوا القوة الأساسية في بناء مستقبل المدينة، فيحتاجون إلى فضاءات رياضية وثقافية وفرص حقيقية للتكوين والإبداع والمشاركة، بدل أن تظل طاقاتهم رهينة محدودية الإمكانات والفرص.

وتزداد أهمية هذه المطالب بالنظر إلى العلاقة المباشرة بين جودة الخدمات العمومية وثقة المواطن في المؤسسات المسؤولة عن تدبير شؤونه المحلية.

الاستثمار وفرص الشغل.. التحدي الذي لا تحتمل سطات تأجيله

لا يمكن الحديث عن تنمية حضرية حقيقية دون اقتصاد محلي قادر على إنتاج الثروة وتوفير فرص العمل.

وتملك سطات مؤهلات تستدعي تعبئتها ضمن تصور اقتصادي أكثر طموحاً، يقوم على تثمين موقع المدينة، وتحسين مناخ الاستثمار، ومواكبة المقاولات، وتطوير الأنشطة الصناعية والخدماتية ذات القيمة المضافة.

غير أن تحقيق هذا الهدف يتطلب الانتقال من انتظار المبادرات الاستثمارية إلى العمل على استقطابها، عبر توفير العقار المؤهل، وتبسيط المساطر، وتحسين البنيات التحتية، وإرساء شراكات فعالة بين مختلف المؤسسات.

كما يطرح الشعور بعدم الاستفادة الكافية من بعض الأوراش الوطنية الكبرى، ومنها مشاريع النقل السككي السريع، سؤالاً أوسع حول كيفية إدماج المدينة في شبكات الربط الاقتصادي والتنقل، والوسائل الممكنة لتعزيز جاذبيتها دون اختزال مستقبلها في مشروع واحد.

الأزمة الحقيقية.. حين تتراجع الثقة في جدوى المؤسسات

قد يكون تأخر مشروع أو تعثر برنامج قابلاً للتدارك، لكن الأخطر هو أن يتحول الشعور بغياب النتائج إلى اقتناع لدى المواطنين بأن تغيير المجالس والأسماء لا يؤدي بالضرورة إلى تغيير الواقع.

وعندما تتكرر الوعود دون أن تصاحبها حصائل منشورة ومؤشرات دقيقة، يصبح من الصعب بناء الثقة بين المنتخبين والساكنة.

ولهذا، فإن المدخل الأساسي لتجاوز الوضع لا يمر عبر تبادل المسؤوليات أو البحث عن مبررات سياسية جاهزة، بل عبر تقييم جدي وعلني لحصيلة التدبير، وتحديد أولويات واقعية، وإعلان التزامات قابلة للقياس، مع إخضاع تنفيذها للتتبع والمساءلة.

كما أن المجتمع المدني والنخب الاقتصادية والثقافية والإعلامية مدعوة إلى المساهمة في صياغة نقاش عمومي منتج، يقوم على الاقتراح واليقظة وتتبع السياسات المحلية، بعيداً عن الحسابات الضيقة والمزايدات الظرفية.

سطات لا تحتاج إلى المزيد من الخطابات.. بل إلى قرارات تصنع الفرق

إن الرهان اليوم لا يتعلق فقط بتجميل صورة المدينة أو إطلاق مشاريع متفرقة، بل ببناء تصور تنموي متكامل يعيد إلى سطات جاذبيتها، ويمنح شبابها أسباباً للبقاء والعمل والاستثمار، ويجعل الخدمات العمومية في مستوى تطلعات السكان.

وإذا كانت التوجيهات الملكية تؤكد أهمية التنمية الترابية والإنصاف المجالي والنجاعة في تدبير الشأن العام، فإن ترجمة هذه المبادئ على أرض الواقع تظل مسؤولية مشتركة بين مختلف المؤسسات والمتدخلين، كل من موقع اختصاصاته.

لقد حان الوقت للانتقال من منطق تدبير الانتظار إلى منطق صناعة النتائج، ومن الاكتفاء بتعداد الإكراهات إلى تقديم حلول واضحة ومحددة الآجال.

فسطات لا تطالب بمعاملة استثنائية، ولا تبحث عن امتيازات خارج منطق العدالة المجالية. إنها تطالب فقط بأن يكون لموقعها وإمكاناتها واحتياجات سكانها وزن حقيقي في القرار التنموي.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يواجه به المسؤولون والمنتخبون، بعيداً عن الخطابات الانتخابية والمجاملات السياسية: كم من سنة أخرى يجب أن تنتظر سطات حتى تتحول وعود التنمية إلى واقع يلمسه المواطن في الشارع والمستشفى ومكان العمل؟