من حق أي طرف أن يختلف سياسيا مع عبد الصمد قيوح، وأن يناقش تقديره لمسؤولية الحكومات المتعاقبة عن أزمة الماء بجهة سوس ماسة، لكن تحويل تصريحه الأخير بمدينة أولاد تايمة إلى مادة للسخرية والتكذيب يصطدم بمعطى أساسي: الأرشيف موجود، وأزمة الماء بالمنطقة لم تبدأ سنة 2026.
وخلال لقاء انعقد يوم 21 غشت بأولاد تايمة، أكد قيوح أن الأزمة المائية بسوس ليست وليدة سنوات الجفاف الأخيرة، وأن المنطقة كانت تتوفر منذ سنوات على دراسات وبرامج ومشاريع كان من شأن تسريع تنفيذها أن يخفف من حدة الوضع الراهن.
وتحدث قيوح، وفق الأرقام التي قدمها، عن عجز مائي يتراوح بين 800 و900 مليون متر مكعب، وعن خسارة حوالي 25 ألف هكتار من الأراضي المسقية ونحو 50 ألف فرصة شغل، مستحضرا مشروعي تحلية مياه البحر وتعلية سد أولوز.
والسؤال هنا ليس ما إذا كان ينبغي تصديق قيوح فقط لأنه وزير، وإنما: ماذا تقول الوثائق التي سبقت تصريحه بسنوات طويلة؟
2007.. سوس كانت تدرك خطورة استنزاف الفرشة
لم تكن الأزمة المائية مفاجئة، فقد جرى إحداث لجنة خاصة بـ«عقدة الفرشة» سنة 2006، قبل توقيع الاتفاقية الإطار للمحافظة على الموارد المائية وتنميتها بحوض سوس ماسة سنة 2007.
وكان الهدف من هذه الخطوات هو الحد من الاستغلال المفرط للمياه الجوفية وإشراك مختلف مستعملي الموارد المائية في تدبير الفرشة وفق مقاربة تشاركية. وما تزال الجهات المختصة تشتغل على «عقد الفرشة المائية لسوس» باعتباره آلية لحماية المخزون الجوفي من الاستنزاف.
وهذا يعني أن المؤسسات العمومية والجهوية كانت تدرك، قبل سنة 2011، أن سوس تتجه نحو أزمة مائية حقيقية إذا استمر الاستغلال المفرط للفرشة بالوتيرة نفسها.
يناير 2008.. الحديث الرسمي عن التحلية والسدود
يعود الأرشيف إلى اجتماع رسمي انعقد بأكادير يوم 18 يناير 2008، بحضور وزير الفلاحة آنذاك عزيز أخنوش وكاتب الدولة المكلف بالماء والبيئة عبد الكبير زهود، وخصص لمتابعة تنفيذ اتفاقية المحافظة على الموارد المائية بسوس ماسة.
وخلال الاجتماع، جرى الحديث عن اللجوء إلى تحلية مياه البحر والتغذية الاصطناعية للفرشة المائية، إلى جانب الدعوة إلى إنجاز 22 مشروعا للسدود الكبرى والمتوسطة والصغرى والسدود التلية، مع التشديد على ضرورة احترام آجال تنفيذ المشاريع.
هذه المعطيات لم يكتبها أنصار قيوح سنة 2026، وإنما تعود إلى أرشيف صحفي يوثق اجتماعا رسميا انعقد قبل حوالي 18 سنة.
كما شهدت سنة 2008 الإعلان عن تمويل رسمي بقيمة 16.5 مليون يورو لدعم برنامج التزود بالماء القروي في مناطق سوس ماسة درعة وتافيلالت، بحضور عبد الكبير زهود.
2009.. استراتيجية وطنية للماء بـ82 مليار درهم
في 14 أبريل 2009، جرى تقديم الاستراتيجية الوطنية للماء أمام الملك محمد السادس، وهي استراتيجية تطلب تنفيذها استثمارا إضافيا بقيمة 82 مليار درهم خلال الفترة الممتدة إلى سنة 2030.
وتضمنت الاستراتيجية برمجة 60 سدا كبيرا وألف سد صغير، إلى جانب تعبئة حوالي 400 مليون متر مكعب سنويا بواسطة تحلية مياه البحر، وإعادة استعمال 300 مليون متر مكعب من المياه العادمة المعالجة، وحماية الفرشات المائية وإعادة تكوين مخزونها.
وفي الفترة نفسها، حذر عبد الكبير زهود من أن استمرار الوضع دون تدخل قد يقود المغرب إلى عجز مائي يصل إلى ملياري متر مكعب في أفق 2030، مؤكدا أن وقف الاستغلال المفرط للمياه الجوفية أصبح أمرا ملحا.
وعندما يستحضر قيوح مرحلة زهود ويتحدث عن وجود سياسة استباقية، فإنه لا يقدم رواية ظهرت بعد الأزمة الحالية، بل يشير إلى رؤية واستراتيجية موثقتين منذ سنة 2009.
تحلية اشتوكة.. مشروع بدأ بالدراسة وانتظر سنوات للتنفيذ
يقدم المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي لسوس ماسة تسلسلا رسميا لمشروع تحلية مياه البحر باشتوكة، الذي كان يهدف أساسا إلى حماية الفرشة المائية وتعويض جزء من الضخ الجوفي بالمياه المحلاة، حفاظا على النشاط الفلاحي بالمنطقة.
وبحسب المعطيات الرسمية، حصلت دراسة التأثير البيئي للمشروع على الموافقة في يونيو 2014، بعد مراحل من الدراسات والإعداد، قبل توقيع العقود المرتبطة بإنجاز المشروع المشترك لتحلية المياه المخصصة للسقي والماء الصالح للشرب سنة 2017.
أما التشغيل الفعلي للمحطة، فقد جاء بعد سنوات أخرى من الأشغال، وهو ما يجعل الحديث عن «هدر الزمن» نقاشا جديا يستند إلى تسلسل زمني حقيقي، وليس مجرد شعار سياسي أو نكتة فايسبوكية.
تعلية سد أولوز.. خيار مطروح منذ سنوات
حتى مشروع تعلية سد أولوز لا يتعلق بفكرة ظهرت مع تفاقم الأزمة الحالية، إذ تشير المعطيات التقنية المستحضرة إلى أن إمكانية تعلية السد كانت مأخوذة بعين الاعتبار منذ تصميمه، كما أدرجت ضمن التصورات الرامية إلى زيادة القدرة التخزينية للمنشآت المائية القائمة بحوض سوس.
وهذا ينسجم مع جوهر كلام عبد الصمد قيوح: المشروع ليس اقتراحا وليد اللحظة، وإنما خيار تقني ظل مطروحا منذ سنوات دون أن يصل بالسرعة المطلوبة إلى مرحلة التنفيذ.
الأرشيف لا يعفي أحدا من المسؤولية
هذه الوثائق لا تمنع أي طرف من مناقشة حصيلة عبد الصمد قيوح أو غيره من المسؤولين.
لكنها تجعل من الصعب إنكار أن خطر الأزمة المائية بسوس كان معروفا قبل سنة 2011، وأن مشاريع التحلية وحماية الفرشة وبناء السدود وتوسيع القدرة التخزينية كانت مطروحة في الوثائق والبرامج الرسمية منذ سنوات طويلة.
فالتسلسل الزمني واضح:
- سنة 2007: اتفاقية حماية الموارد المائية وعقدة الفرشة.
- سنة 2008: حديث رسمي عن التحلية والتغذية الاصطناعية للفرشة وبرمجة مشاريع السدود.
- سنة 2009: استراتيجية وطنية للماء باستثمار إضافي بلغ 82 مليار درهم.
- سنة 2010 وما بعدها: الانتقال إلى الدراسات الهيكلية والإجراءات المرتبطة بمشروع تحلية اشتوكة.
ثم احتاجت هذه المشاريع إلى سنوات إضافية قبل بلوغ مراحل التنفيذ والتشغيل.
وهنا تحديدا تكمن قوة كلام قيوح؛ ليس لأنه تصريح صادر عن مسؤول سياسي ينبغي تصديقه دون نقاش، وإنما لأن جزءا مهما من التسلسل التاريخي الذي استند إليه تؤكده وثائق تعود إلى ما قبل الأزمة الحالية بسنوات طويلة.
وأمام حملات السخرية والتكذيب، ربما يكون الرد الأكثر هدوءا والأصعب على التفنيد هو:
افتحوا الأرشيف.. فتاريخ أزمة الماء بسوس بدأ قبل أن يبدأ الجدل الحالي بسنوات طويلة.












