حجم الخط + -
1 دقيقة للقراءة

في قلب كل أمة تنبض بالحياة، يشكل الفن روحها التي تعكس حضارتها، ومرآتها التي تعكس عمق فكرها وثراء هويتها. غير أن تدريس المواد الفنية في المغرب يشهد تراجعا مقلقا، إذ تعرضت هذه التخصصات للإهمال منذ انتهاء العمل بالبرنامج الاستعجالي سنة 2012.

فمنذ عام 2004، لم تحدّث مناهجها أو تحدّث وثائقها التربوية، وتوقف توظيف أساتذتها، بينما تقبع المدارس في ظلال نقص التجهيزات والوسائل التعليمية. هذا الوضع ينذر بإقصاء غير معلن لهذه المواد، مما يهدد بإغلاق نافذة الإبداع والانفتاح التي لطالما أضاءت فضاءات المدرسة المغربية، ويقوض مبدأ تكافؤ الفرص وتعزيز القيم الجمالية والتربوية.

.ورغم أن الجامعات والمعاهد تخرج سنويا أفواجا من الطلبة المتخصصين في الفنون، فإن الوزارة لا تخصص مناصب كافية لتوظيفهم، وكأنها تقطع جسور العبور بين التكوين والممارسة، مما يشي بغياب إرادة سياسية حقيقية لإدماج الفنون في المنظومة التربوية.

ويكشف هذا التناقض أيضا في المناهج الدراسية، حيث أدرجت التربية الفنية بمكوناتها المتعددة ضمن التعليم الابتدائي، لكنها ظلت غائبة عن التنفيذ والتأطير، وكأنها وضعت على هامش الاهتمام، بلا روح ولا أثر.إن تهميش المواد الفنية لا يعد مجرد إغفال لمادة دراسية، بل هو انتقاص من جوهر التربية نفسها، حيث يحرم التلميذ من فضاء يشكل خياله، وينحت ذائقته الجمالية، ويعزز حسه النقدي والإبداعي.

ظ والفن، كما هو معلوم، ليس ترفا ولا زخرفة، بل وسيلة لرقي الشعوب، وأداة فعالة لمواجهة التطرف بمختلف أشكاله، إذ يزرع في النفوس بذور التسامح، ويفتح الأبواب للحوار والتعايش، ويهذب الوجدان ليكون أكثر إنسانية وانفتاحا على الجمال في تنوعه واختلافه.

ويكشف هذا التهميش عن تناقض صارخ بين الخطاب التربوي والواقع، حيث تؤكد القوانين الرسمية على ضرورة إدماج الفنون، بينما تبقى هذه الالتزامات معلقة في الفراغ، لا تجد طريقها إلى التطبيق. فإعادة الاعتبار لهذه المواد لم يعد مجرد مطلب تربوي، بل ضرورة ملحة لضمان تربية متكاملة توازن بين العقل والروح، بين المنطق والإحساس، وبين العلم والإبداع.

فإلى متى تظل المدرسة المغربية سجينة هذا التجاهل، ومتى يدرك صانعو القرار أن التربية الحقيقية لا تكتمل إلا حين تشرق عليها شمس الفن والجمال؟