حجم الخط + -
7 دقائق للقراءة

نشرت جريدة “الصباح” تقريراً مفصلاً حول التحديات التنموية التي تعيشها مدينة أولاد تايمة، وسلطت الضوء على النقاشات الحادة بين المعارضة والمجلس الجماعي، حيث تبادل الطرفان الاتهامات بشأن تعثر المشاريع التنموية وواقع الخدمات العمومية المتدهورة.
و هذا نص المقال كما نشرته الصباح في جريدتها:

أولاد تايمة… التنمية المتعثرة

المعارضة تقصف المجلس المسير وتحمله المسؤولية والرئيسة تفند الاتهامات

في قلب أولاد تايمة، تلك المدينة التي لطالما تغنى أهلها بماضيها الزاخر بالخيرات، تنبض التساؤلات كأنها صدى يتردد في أرجاء المكان. ثلاث سنوات مضت منذ أن تولى المجلس الجماعي زمام الأمور، لكن عقارب الزمن هناك بدت وكأنها توقفت، أو ربما أصيبت بعطب يجعلها تدور في حلقة مفرغة، تعاكس طموحات سكانها الذين كانوا ينتظرون تغييرا يليق بأحلامهم، وتصف المعارضة هذه السنوات بأنها سنوات عجاف، فيما تدافع الرئيسة عن نفسها، مشيرة إلى أن المجلس أطلق مشاريع ذات أهمية، إلا أن الإجراءات الإدارية أبطأت سيرها وأعاقت تحقيق أهدافها، وأنها نجحت في إخراج العديد من المشاريع إلى النور. بين اتهامات هنا ودفاعات هناك، يبقى المشهد غارقا في الضباب، وتظل أولاد تايمة تنتظر بصيص نور يعيد إليها نبضها، ويدفع بعجلات التنمية إلى الأمام.
عبد الجليل شاهي (أكادير)

وسط سهل سوس، المعروف بخصوبة أراضيه وغناه بالإنتاج الزراعي من البواكر والحوامض والفواكه، تقع أولاد تايمة، القلب النابض لقبائل هوارة والمتميزة بموقعها الإستراتيجي على الطريق الوطنية رقم 10، التي تربط بين أكادير الحديثة وتارودانت العريقة، هذه المدينة، التي كانت شاهدة على تحولات عمرانية واجتماعية ملحوظة، ازدهرت بفضل الزراعة التي جعلتها وجهة جذابة للباحثين عن فرص العيش من مختلف مناطق المملكة. ورغم ترقيتها إلى جماعة حضرية منذ التقسيم الجماعي لسنة 1992، وبلوغ عدد سكانها حوالي 100 ألف نسمة وفق إحصائيات 2024، إلا أن التنمية المأمولة تظل بعيدة المنال، مما يثير تساؤلات حول مستقبل هذه الحاضرة الواعدة وإمكاناتها غير المستغلة.
يعاني سكان المنطقة تراجعا ملحوظا في الأنشطة الاقتصادية التي كانت تشكل عماد حياتها اليومية، حيث تتصدر الفلاحة قائمة هذه الأنشطة، تليها التجارة المرتبطة بها، ثم التجارة العامة. إلا أن هذه القطاعات شهدت تدهورا كبيرا في السنوات الأخيرة بسبب شح الأمطار، ما تسبب في خسائر فادحة للقطاع الفلاحي. ودفعت هذه الأزمة بعض الضيعات الكبرى إلى إعلان إفلاسها وبيعها لشركات أجنبية، وفي ظل هذا الواقع، تتسم القدرة الشرائية للسكان المحليين بالضعف الشديد، ما ينعكس على الإقبال المحدود على السلع مرتفعة الثمن. ويبدو ذلك واضحا من غياب البنية التجارية الحديثة في المدينة، حيث لا توجد أسواق ممتازة بمعايير عصرية، ولا مطاعم حديثة، ولا حتى محلات لبيع الملابس ذات العلامات التجارية المعروفة.

تردي الوضع الصحي
تشهد أولاد تايمة وضواحيها أزمة صحية حادة، نتيجة ضعف الخدمات الطبية في مستشفى القرب الوحيد، الذي يعاني نقصا كبيرا في الموارد البشرية والتجهيزات، رغم أنه يخدم أكثر من 100 ألف نسمة.
المستشفى، الذي يضم أربعة تخصصات، يعاني شللا في خدمات الجراحة العامة وطب النساء والتوليد، بينما تواجه أقسام طب الأطفال والأشعة صعوبات كبرى بسبب غياب أطباء التخدير والتوليد. هذا الوضع يدفع المرضى إلى البحث عن العلاج في مستشفيات تارودانت وأكادير، ما يزيد من أعبائهم المالية ويثقل كاهل الفئات الهشة.
ثلاثة مستوصفات أخرى في المدينة تعاني اكتظاظا شديدا، في ظل الإقبال المكثف على المستشفى المحلي الذي بات عاجزا عن استيعاب أعداد المرضى المتزايدة، وقد وصفت فعاليات مدنية المستشفى بأنه “محطة لتحويل المرضى”، مشيرة إلى أن الوضع إثار حالة من الاحتقان والسخط بين المواطنين.
ورغم الإحصائيات الرسمية التي تشير إلى وجود 14 طبيبا و77 ممرضا، فإن السكان يرون أن هذا العدد غير كاف لتغطية احتياجات عشر جماعات قروية، كما أن مغادرة بعض الأطباء زادت من تعقيد الوضع.
كما أعلنت وزارة الصحة عن إجراءات لدعم المستشفى، شملت توفير جهاز سكانير وتوسعة مصلحة الولادة، لكن السكان يعتبرونها غير كافية لحل المشكلات الهيكلية، وطالبت الفعاليات المدنية بإعادة تصنيف المستشفى، في برنامج دعم متضرري زلزال الحوز وتعزيز التخصصات الطبية، وتفعيل البرنامج لتحسين قسم المستعجلات ومرافق أخرى، ويبقى سكان أولاد تايمة يأملون في تنفيذ وعود التنمية الصحية، وإنهاء معاناتهم مع أوضاع صحية وصفوها بأنها لم تعد تحتمل التأجيل.

أزمة النفايات
تعاني أولاد تايمة أزمة بيئية متفاقمة نتيجة انتشار مطارح عشوائية للنفايات، التي تحولت إلى مصدر دائم للروائح الكريهة والتلوث البيئي، هذه الظاهرة أثارت استياء سكان أحياء النهضة، ودنيا، والحي الجديد، والكليتة، الذين عبروا عن غضبهم إزاء تداعيات الوضع على صحتهم وبيئتهم.
وتفتقر هذه المطارح، سواء القائمة أو المزمع إنشاؤها، إلى أدنى معايير البنية التحتية اللازمة، مثل تجهيزات معالجة النفايات أو شبكات تصريف العصارة، ما يعزز مخاطر تلوث الفرشة المائية والمناطق الزراعية المجاورة، كما أن غياب دراسات تأثير بيئي شاملة يزيد من خطورة الوضع، ما يجعل هذه المطارح مخالفة للقانون رقم 28.00 المتعلق بتدبير النفايات، الذي يهدف إلى حماية صحة الإنسان والبيئة من الآثار الضارة للنفايات.
و قررت رئيسة المجلس الجماعي تأجيل إنشاء مشروع محطة جديدة لتجميع النفايات بعد إنجاز شطره الأول، وفسخ العقد الخاص بالشطر الثاني. هذا القرار أثار تساؤلات حول جدوى الإجراءات المتخذة لمعالجة أزمة النفايات واستجابة السلطات لتطلعات السكان.
كما ان التحديات البيئية لا تقتصر على النفايات فقط، بل تشمل أيضا فوضى مخلفات البناء، وتدهور الظروف البيئية في الأسواق والمجزرة الجماعية. ويكشف غياب الوعي المجتمعي وسوء إدارة قطاع النفايات عن ضعف كبير في التدبير الحضري، ما يستدعي اعتماد إستراتيجية مستدامة وشاملة، تحترم فيها المعايير البيئية وتراعى فيها صحة المواطنين، ويبقى سكان أولاد تايمة في انتظار تحركات جادة وحلول فعلية تنقذ مدينتهم من هذه الأزمة المتفاقمة، وتعيد التوازن بين متطلبات الحياة اليومية والحفاظ على البيئة.

إغلاق المعامل والضيعات الفلاحية
ألقت أزمة الجفاف وشح الأمطار في منطقة أولاد تايمة بظلالها الثقيلة على القطاع الفلاحي، إذ أغلقت آلاف الضيعات أبوابها وتوقفت عن الإنتاج، تاركة وراءها مشهدا قاتما يختزل مأساة اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة. أكثر من 5000 هكتار من الضيعات والاستغلاليات الزراعية توقفت عن العمل، مما أدى إلى إغلاق 10 محطات للتلفيف وتراجع الصادرات الفلاحية إلى نحو 500 ألف طن، بعد أن كانت تتجاوز 1.7 مليون طن في السنوات الماضية.
في أولاد تايمة، يتحدث الفلاحون عن واقع صعب، إذ أصبح شح المياه والتكاليف المرتفعة للسقي والأسمدة عوامل أساسية في انهيار الضيعات. وعبر أحد الفلاحين بحسرة قائلاً: “الأشجار تتألم وتتكلم.. ما بقا ما يدار”. ومع تفاقم الأزمة، لجأ العديد من الفلاحين إلى المحاكم بسبب تراكم الديون، حيث قضت إحدى المحاكم عليهم بأداء ما يزيد عن 400 مليون سنتيم قيمة ديون مترتبة عن قروض، فضلا عن النزاعات مع شركات توزيع المياه .
الإفلاس الذي طال الضيعات المترامية على أزيد من 40 ألف هكتار لم يقتصر على أصحابها فقط، بل ألقى بعشرات الآلاف من العمال الفلاحيين إلى براثن البطالة. هذه الضيعات، التي كانت تنتج حوالي 450 ألف طن سنويًا من الحوامض وتشكل 70% من الإنتاج الوطني، أصبحت عاجزة عن الاستمرار، بعدما كانت تضخ آلاف الأطنان من البرتقال والليمون نحو الأسواق الأوروبية وتساهم في رفد الاقتصاد بالعملة الصعبة.
شح المياه يعد العامل الأكبر في هذه الأزمة، حيث تشير معطيات رسمية إلى أن مستوى المياه في الحوض المائي لسوس ماسة استقر عند أقل من 14 %، أي حوالي 100 مليون متر مكعب فقط مقارنة بـ730 مليون متر مكعب في سنوات الوفرة. هذا التراجع الحاد في الموارد المائية جعل من المستحيل على المزارعين مواصلة سقي أشجارهم، التي ظلت لسنوات تعتمد على المياه الجوفية والسدود الصغيرة في المنطقة.
اليوم، تواجه المنطقة مأزقا يتطلب حلولا جذرية ومستدامة، وتزايدت المطالبة بتطوير تقنيات السقي وإعادة استخدام المياه المعالجة، إلى جانب سياسات أكثر صرامة لتنظيم استغلال الموارد المائية. الوضع الحالي لا يهدد فقط الاقتصاد المحلي، بل ينذر بتداعيات اجتماعية قد تكون أكثر خطورة إذا استمرت الأزمة دون تدخل حقيقي وفعال.

بوهدود: الإجراءات الإدارية وراء التأخر
كشفت نادية بوهدود، رئيسة المجلس البلدي لأولاد تايمة، أنها ليست من هواة التصوير أو الإشهار، مشيرة إلى أن بعض الإجراءات الإدارية، هي السبب وراء تأخر إنجاز مجموعة من المشاريع والاتفاقيات المصادق عليها، والتي من المرتقب أن ترى النور قريبا، كما أكدت بوهدود أن جماعة أولاد تايمة تسير بخطى ثابتة نحو تحقيق التنمية الشاملة، مركزة على تطوير البنية التحتية وتحسين الخدمات الحضرية، بهدف جعل المدينة نموذجا يحتذى به في التنمية المستدامة.
وأضافت أن الجماعة نجحت في إطلاق مشاريع تنموية مستعجلة، تضمنت إنشاء طرق جديدة، وتوسيع وتأهيل الطرق القائمة، وتعزيز شبكة الإنارة العمومية، كما أولت الجماعة اهتماما خاصا بتطوير الأرصفة وتأهيل الفضاءات العامة، ما انعكس إيجابيا على جودة حياة السكان.
وأوضحت أن المنطقة الصناعية بأولاد تايمة شهدت تطورا لافتا خلال السنوات الثلاث الماضية، حيث تم استقطاب 77 مشروعا، استغلت 67 % من مساحتها الإجمالية، ودخل 41 مشروعا مرحلة البناء، وأسهمت هذه المشاريع في توفير 2700 فرصة عمل مباشرة، وأكدت بوهدود أن العمل جار لإنشاء محاور طرقية استراتيجية تربط الحي الصناعي بالطريق السريع أكادير-تارودانت، ومنطقة الكدية، لتعزيز جاذبية المنطقة للاستثمار.
كما صادق المجلس الجماعي لأولاد تايمة خلال دورة فبراير 2024 على اتفاقية شراكة لتنفيذ برنامج التأهيل الحضري، وشملت الاتفاقية مشاريع لإنشاء ساحات عمومية، وتقوية شبكة الإنارة العمومية، وتهيئة مداخل المدينة، وإحداث محطة طرقية جديدة. كما تم العمل على تحسين شبكة الطرق وربط الأحياء بشبكات حديثة.
ومن أبرز الشوارع التي شهدت التأهيل، شوارع محمد الخامس، وهوارة، وبوخريص، والحسن الثاني، بالإضافة إلى النهضة وغيرها، ما جعلها تشكل شبكة طرقية حديثة ذات طابع جمالي، بفضل جهود مصلحة الأغراس التي ساهمت في تنظيفها وتزيينها بالأشجار والفضاءات الخضراء، ورصد المجلس الجماعي ميزانية بلغت 78 مليار سنتيم لتنفيذ برنامج عمل جماعة أولاد تايمة (2028-2023). وتضمن البرنامج 91 مشروعا موزعة على خمسة محاور استراتيجية: التأهيل الحضري والعدالة المجالية، والتنشيط الاقتصادي ودعم الاستثمار، التنمية الاجتماعية والثقافية والرياضية، والتنمية المستدامة وحماية البيئة، والإدارة والحكامة.
كما نجحت الجماعة في تأمين احتياجات المدينة من الماء الصالح للشرب، من خلال اعتماد ملتمس تقدمت به نادية بوهدود ودافعت عنه بشدة لتزويد المدينة بالماء، انطلاقا من محطة تحلية مياه اشتوكة أيت بها، ليصبح هذا المشروع واقعا ملموسا.

المعارضة: المجلس مسؤول عن تعثر المشاريع
اتهمت المعارضة المجلس الجماعي لأولاد تايمة بالمسؤولية عن توقف المشاريع التنموية وتعثر برامج بالمدينة جاهزة من حيث الدراسات والتمويل والشراكات، وذكرت المعارضة عدة أمثلة على هذه المشاريع، منها محطة تجميع وتحويل النفايات، واتفاقية سياسة المدينة لتأهيل الأحياء الناقصة التجهيز، ومركز الاستقبال، وتأهيل الشوارع الحيوية بالمدينة. كما توقف نشاط السوق النموذجي الذي يعد من المشاريع النوعية بأبعاده الاجتماعية والاقتصادية.
كما أشارت المعارضة إلى تأخر صرف منح جمعيات المجتمع المدني، وما رافقها من تماطل ومحسوبية، فضلا عن الارتباك في قرارات السير والجولان، وتأخر إطلاق صفقة الإنارة العمومية رغم وجود ميزانية مخصصة تبلغ 950 ألف درهم، هذا التأخير أجبر السكان على تحمل كلفة إضاءة أحيائهم بأنفسهم.
وانتقدت المعارضة اعتماد المجلس الحالي على سندات الطلب بدلا من إبرام الصفقات العمومية، مما أدى إلى إهدار مداخيل الجماعة من الأسواق ومواقف السيارات والمجزرة والأكرية. واستشهدت بحادثة سرقة الأظرفة المالية للشركات المتنافسة على صفقة سوق الجملة للخضر والفواكه، بالإضافة إلى إلغاء صفقات مرافق أخرى بعد تدخل المجلس الجهوي، ما أثار شبهات حول وجود تواطؤات وتفاهمات مسبقة.
وتحدثت المعارضة عن ما وصفته بـ”التدبير العشوائي والمزاجي” لإدارة الجماعة، ما أدى إلى استياء الموظفين والأطر، مشيرة إلى ضغوط ومورست عليهم لتوقيع قرارات وصفت بأنها مشوبة باختلالات قانونية، لا سيما ما يتعلق بصفقات الأسواق. كما اتهم المجلس باللجوء إلى المحسوبية الحزبية في الترقيات الداخلية، بعيدا عن معايير الاستحقاق والكفاءة.
وتحدثت المعارضة عن غياب العدالة المجالية في برنامج التأهيل الحضري في أولاد تايمة، إذ أجريت تغييرات على مواقع تنفيذ المشاريع، ما أدى إلى استبعاد أحياء وشوارع لصالح حسابات انتخابية ضيقة، وأضافت أن ثلاث سنوات ضاعت من الزمن التنموي للمدينة نتيجة لهذه الاختلالات.
وأشارت إلى أن الأغلبية الحالية تعاني من ضعف الفاعلية وتغليب المصالح الخاصة، إذ انتقل الوضع من البطء في الإنجاز إلى الصراعات الداخلية على الامتيازات، وتصاعد الخلاف داخل المجلس، ما أدى إلى تقديم أحد نواب الرئيسة لاستقالته قبل التراجع عنها، وظهرت اتهامات بالتلاعب والخروقات في إعداد دفاتر التحملات الخاصة بالأسواق، حتى وصل الأمر إلى التحدي العلني بين الرئيسة ونائبها، حيث دعت الأخير للجوء إلى القضاء.

المصدر:

https://assabah.ma/821079.html