عاد ملف مخطط المغرب الأخضر بإقليم تارودانت إلى واجهة النقاش حول تدبير المال العام، بالتزامن مع انتقال وزارة الفلاحة من حزب التجمع الوطني للأحرار إلى حزب الأصالة والمعاصرة، عقب تعيين خالد حاتيمي وزيراً للفلاحة والصيد البحري والسيادة الغذائية. وهو تحول يطرح سؤالاً جوهرياً: هل يفتح الوزير الجديد ملفات المشاريع الفلاحية التي أثيرت بشأنها اتهامات بالاختلالات وهدر الأموال العمومية، أم تظل هذه الملفات بعيدة عن الافتحاص والمساءلة؟
بعد ما يقارب 19 سنة من استمرار حزب التجمع الوطني للأحرار على رأس وزارة الفلاحة، منذ تعيين عزيز أخنوش وزيراً للقطاع سنة 2007، مروراً بمحمد صديقي ثم أحمد البواري، دخلت الوزارة مرحلة جديدة مع تعيين خالد حاتيمي يوم 16 أكتوبر 2026، ضمن حكومة فاطمة الزهراء المنصوري.
غير أن هذا الانتقال السياسي لا يطرح فقط مسألة تغيير الأسماء والمسؤوليات، بل يفتح نقاشاً أعمق حول ضرورة تقييم حصيلة السياسات الفلاحية السابقة، وفي مقدمتها مخطط المغرب الأخضر، الذي أُطلق سنة 2008 باعتباره مشروعاً استراتيجياً لتحديث الفلاحة المغربية، وتحسين دخل الفلاحين، وتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية بالعالم القروي.
وفي إقليم تارودانت، أحد أبرز الأقاليم الفلاحية بالمملكة، تكتسي هذه المساءلة أهمية خاصة، بعدما ظهرت على مدى السنوات الماضية شكايات وانتقادات تتعلق بطريقة الاستفادة من الدعم العمومي، ومدى نجاح بعض المشاريع الفلاحية في تحقيق الأهداف المعلنة، وانعكاس الاستثمارات المرصودة على الأوضاع المعيشية للفلاحين الصغار.
سؤال برلماني يكشف حجم الجدل حول مشاريع المخطط
ففي سؤال كتابي وجهته النائبة البرلمانية النزهة أباكريم إلى وزير الفلاحة بتاريخ 19 نونبر 2024، تحت رقم 18572، كشفت أن المديرية الإقليمية للفلاحة بتارودانت أشرفت، خلال الفترة الممتدة بين سنتي 2008 و2020، على تنفيذ عشرات المشاريع الفلاحية، إلى جانب تقديم الدعم العمومي لمئات الملفات المقدمة من طرف الخواص في إطار مخطط المغرب الأخضر، وهو ما تطلب تعبئة اعتمادات مالية مهمة من الميزانية العمومية.
ولم تكتف البرلمانية بالمطالبة بتقييم هذه المشاريع، بل ذهبت إلى توجيه انتقادات حادة لطريقة تنفيذها ونتائجها، مؤكدة في سؤالها أن زيارة ميدانية للمشاريع المنجزة من شأنها أن تكشف، بحسب تعبيرها، عن واقع غير مشرف واختلالات كبيرة أدت إلى هدر أموال عمومية دون تحقيق الأهداف المرجوة.
وهي اتهامات ثقيلة، صدرت داخل وثيقة برلمانية رسمية، وتستدعي التدقيق في طبيعة المشاريع المعنية، وحجم الأموال التي صُرفت عليها، ومدى احترامها للالتزامات المحددة، خصوصاً أن السؤال يتحدث عن مشاريع ممولة من المال العام وأخرى استفادت من الدعم العمومي.
كما ربطت أباكريم انتقاداتها بالوضع الاجتماعي والاقتصادي للعالم القروي، مستحضرة التراجع الديمغرافي الذي أشارت إلى تسجيله بين إحصائي 2014 و2024، ومعتبرة أن واقع الفلاحة ومؤشرات الفقر والبطالة القروية تطرح تساؤلات بشأن مدى تحقق الأهداف التي جاء بها المخطط.
مطالب صريحة بمحاسبة المسؤولين عن المشاريع الفاشلة
ولعل أبرز ما جاء في السؤال البرلماني مطالبة النائبة بالكشف عن طبيعة المشاريع التي نفذتها المصالح التابعة لوزارة الفلاحة بإقليم تارودانت، وتحديد حجم الاعتمادات المالية التي صُرفت عليها.
كما دعت إلى تقديم تقييم رسمي لأثر هذه المشاريع على المستوى المعيشي للساكنة القروية، قبل أن تنتقل إلى طرح سؤال مباشر بشأن التدابير والإجراءات التي تعتزم الوزارة اتخاذها لمحاسبة المسؤولين عن المشاريع الفلاحية الفاشلة والممولة في إطار مخطط المغرب الأخضر.
وامتدت تساؤلاتها إلى نصيب إقليم تارودانت من استراتيجية «الجيل الأخضر 2020–2030»، والإجراءات التي يمكن اعتمادها لتفادي تكرار ما وصفته بهفوات مخطط المغرب الأخضر.
خالد حاتيمي.. هل يفتح ملفات المرحلة السابقة؟
اليوم، وبعد انتقال وزارة الفلاحة من حزب التجمع الوطني للأحرار إلى حزب الأصالة والمعاصرة، يجد خالد حاتيمي نفسه أمام ملف يحمل أبعاداً مالية وتنموية ومؤسساتية، خصوصاً أنه ينحدر من إقليم تارودانت، وسبق أن مثله نائباً برلمانياً عن دائرة تارودانت الجنوبية.
وهنا يبرز السؤال الذي تطرحه «النية بريس» بكل وضوح: هل يمتلك خالد حاتيمي الشجاعة السياسية لفتح ملفات مخطط المغرب الأخضر بإقليم تارودانت، وإخضاع المشاريع التي أثيرت بشأنها اتهامات بالاختلالات وهدر الأموال العمومية لافتحاص مالي وتقني شامل؟
وهل سيبادر إلى الكشف عن حصيلة المشاريع التي أشرفت عليها المديرية الإقليمية للفلاحة خلال الفترة الممتدة بين 2008 و2020، بما في ذلك الاعتمادات المخصصة لها، ونسب إنجازها، ونتائجها الفعلية، ومآل المشاريع التي تعثرت أو لم تحقق أهدافها؟
إن المطلوب من الوزير الجديد ليس الدخول في تصفية حسابات سياسية مع المسؤولين السابقين، وإنما تكريس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، عبر تقييم موضوعي ومستقل يحدد ما تحقق من إنجازات، ويكشف مكامن التعثر، ويرتب المسؤوليات إذا ثبت وجود تجاوزات تستوجب ذلك.
مشروع ملكي كبير يستحق الشفافية والمحاسبة
لقد شكل مخطط المغرب الأخضر، الذي أطلقه الملك محمد السادس سنة 2008، أحد أبرز البرامج الاستراتيجية الرامية إلى تحديث الفلاحة المغربية، وتعزيز الاستثمار وخلق فرص الشغل وتحسين دخل الفلاحين.
ومن هذا المنطلق، فإن حماية أهداف هذا المشروع الملكي تقتضي ضمان الشفافية في تدبير الأموال العمومية المرصودة له، والوقوف على مدى تحقيق المشاريع المنفذة لنتائجها الاقتصادية والاجتماعية.
فنجاح أي برنامج تنموي لا يقاس فقط بحجم الاعتمادات المالية المرصودة أو عدد المشاريع المعلن عنها، وإنما بما أحدثه فعلياً من تغيير في حياة المستفيدين، وبمدى استمراريته وقدرته على تحقيق الأهداف المسطرة.
وفي إقليم تارودانت، حيث تشكل الفلاحة مصدر عيش لفئات واسعة من الساكنة، يصبح الكشف عن حصيلة هذه المشاريع مطلباً مرتبطاً بحق المواطنين في معرفة مآل الأموال العمومية، ومدى استفادة صغار الفلاحين والتعاونيات من البرامج التي أُحدثت لدعمهم.
بين إرث «الأحرار» ومسؤولية حاتيمي.. من يفتح الملفات؟
إن ما ورد في السؤال البرلماني للنزهة أباكريم يستحق جواباً مؤسساتياً واضحاً، لا سيما أن الاتهامات المتعلقة بهدر أموال عمومية ضخمة لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد سجال سياسي عابر، كما لا يجوز اعتبارها دليلاً نهائياً على وقوع جرائم مالية دون افتحاص وأبحاث مختصة.
وبينما يبدأ خالد حاتيمي مرحلة جديدة على رأس وزارة الفلاحة، فإن فتح ملفات المشاريع السابقة، وتقديم حصيلة مفصلة للرأي العام، يمكن أن يشكلا خطوة مهمة لتعزيز الثقة في تدبير السياسات الفلاحية.
ويبقى السؤال الأكبر: هل يجعل حاتيمي من انتمائه إلى إقليم تارودانت دافعاً لكشف حقيقة الملفات التي أثارت الجدل بشأن مخطط المغرب الأخضر، أم سيظل السؤال البرلماني، بما تضمنه من اتهامات ثقيلة ومطالب بالمحاسبة، معلقاً دون أجوبة؟





