قطارات تتأخر والخليع لا يتزحزح..
منذ تعيينه سنة 2004 مديرا عاماً للمكتب الوطني للسكك الحديدية، ظل محمد ربيع الخليع ثابتا على رأس واحدة من أكبر المؤسسات العمومية الاستراتيجية بالمغرب، عابراً تعاقب الحكومات والوزراء والبرامج القطاعية. وبعد أزيد من عقدين من التدبير، يطرح طول بقائه في المنصب سؤالاً مشروعاً حول الحصيلة وربط المسؤولية بالمحاسبة، خصوصاً أمام أحكام قضائية حمّلت المكتب المسؤولية، وديون ثقيلة، وشكاوى متكررة من تأخر القطارات وجودة الخدمات، فضلاً عن الجدل الذي أثاره اقتناء عربات أوروبية مستعملة.
منذ سنة 2004، تغيّرت حكومات وتعاقب وزراء وتبدلت برامج وسياسات عمومية، لكن كرسياً واحداً ظل ثابتاً داخل المكتب الوطني للسكك الحديدية: كرسي المدير العام محمد ربيع الخليع.
لا يمكن إنكار التحولات التي شهدها القطاع السككي خلال هذه المرحلة، وفي مقدمتها إطلاق قطار “البراق”، وتجديد عدد من المحطات، وتوسيع البرامج الاستثمارية، والتحضير لتمديد الخط فائق السرعة نحو مراكش. لكن ضخامة المشاريع لا ينبغي أن تحجب الوجه الآخر للحصيلة، ولا أن تعفي إدارة عمرت طويلاً من تقديم أجوبة واضحة عن جودة الخدمة اليومية، والوضعية المالية للمكتب، ونتائج بعض الملفات القضائية الثقيلة.
أكثر من عقدين في المنصب.. متى تُفتح حصيلة الإدارة الطويلة؟
اثنتان وعشرون سنة تقريباً ليست ولاية عادية، بل مرحلة كاملة من تاريخ السكك الحديدية المغربية. ولذلك لا يمكن فصل الوضع الحالي للمكتب عن اختيارات الإدارة التي قادته طوال هذه المدة.
خلال هذه السنوات تغيّر رؤساء حكومات ووزراء نقل ومسؤولون كبار، بينما ظل المدير العام للـONCF في مكانه. وهنا يبرز السؤال الذي لم يعد ممكناً تأجيله: هل أصبح طول البقاء في المنصب بديلاً عن التقييم والمحاسبة وتجديد النخب داخل المؤسسات العمومية؟
طول المدة ليس إدانة في حد ذاته، لكنه يحمّل صاحبها مسؤولية أوسع عن الإنجازات والإخفاقات معاً. ولا يمكن بعد عقدين إرجاع كل عطب إلى الظروف أو الأوراش أو التقلبات الخارجية، بينما يُنسب كل إنجاز إلى الإدارة.
القضاء يؤكد المسؤولية المدنية للمكتب في فاجعة بوقنادل
من أثقل الملفات التي طبعت عهد الإدارة الحالية حادث انحراف قطار بوقنادل في 16 أكتوبر 2018، والذي خلّف ضحايا وجرحى.
وفي 27 فبراير 2026، أكدت محكمة الاستئناف بالرباط المسؤولية المدنية للمكتب الوطني للسكك الحديدية عن الحادث، لتصبح التعويضات المحكوم بها لفائدة الضحايا وذوي الحقوق قابلة للتنفيذ، وفق ما أوردته Médias24.
ولا يتعلق الأمر هنا بشكاية عابرة أو اتهام متداول في مواقع التواصل الاجتماعي، بل بقرار قضائي استئنافي أعاد ملف السلامة والمسؤولية إلى الواجهة، وطرح مجدداً أسئلة حول المحاسبة المؤسساتية بعد واحدة من أخطر الحوادث السككية التي عرفها المغرب.
ONCF يُدان بسبب تأخير قطار
لم تتوقف الأحكام القضائية عند ملف بوقنادل. ففي ماي 2026، قضت المحكمة التجارية بالدار البيضاء بتعويض محامٍ متمرن بمبلغ خمسة آلاف درهم، بعدما تسبب تأخر القطار الذي كان يستقله في حرمانه من حضور مهمة مهنية.
واعتبرت المحكمة أن الناقل ملزم بإيصال المسافر إلى وجهته داخل الأجل المحدد، وأن التأخير الذي ترتب عنه ضرر يفتح الباب أمام التعويض، بحسب ما نشرته Hespress FR.
وتكتسي هذه القضية أهمية خاصة لأنها تضع تأخر القطارات داخل دائرة المسؤولية القانونية، ولا تتعامل معه باعتباره مجرد إزعاج عابر يتعين على المسافر تحمله. كما يمكن أن تشجع متضررين آخرين على اللجوء إلى القضاء متى تمكنوا من إثبات الضرر الناتج عن التأخير.
شكاوى من التأخير والاكتظاظ والتكييف والنظافة
على مستوى الخدمة اليومية، تتكرر شكاوى مسافرين من تأخر القطارات، والاكتظاظ، وتعطل أو غياب التكييف خلال فترات الحر، ومستوى النظافة، وضعف التواصل عند وقوع اضطرابات في حركة السير.
وتضمنت تقييمات منشورة خلال 2026 على منصة Tripadvisor شكاوى من الانتظار لساعات، وتأخر القطارات على محور الدار البيضاء–مراكش، إضافة إلى انتقادات بشأن النظافة والتكييف والمراقبة داخل بعض الرحلات. واشتكى أحد المسافرين كذلك من ركوب أشخاص دون تذاكر ومن التدخين داخل القطار، وفق التقييمات المنشورة على المنصة.
كما حصل تطبيق ONCF Voyages على تقييم بلغ نحو 2.5 من خمس نجوم في متجر Google Play وقت الاطلاع، وسط ملاحظات تتعلق بتسجيل الخروج المتكرر وصعوبات الاستخدام. غير أن تقييمات التطبيقات قابلة للتغير، ولا يمكن اعتمادها وحدها للحكم على مجمل خدمات المؤسسة.
عربات إيطالية مستعملة تثير الجدل
أثار وصول عربات سككية إيطالية مستعملة جدلاً إعلامياً واسعاً، بعدما نشرت مواقع وصفحات عناوين تتحدث عن “قطارات خردة” و“عربات أوروبية متهالكة”، متسائلة عما إذا كان المغرب يتحول إلى وجهة للمعدات السككية المستعملة.
ونشر موقع طنجة7، في 11 يونيو 2026، مقالاً بعنوان شديد اللهجة حول اقتناء المكتب عربات Intercity إيطالية مستعملة، مشيراً إلى أن المكتب يعول عليها لرفع الطاقة الاستيعابية خلال الفترة الانتقالية التي تسبق وصول الأسطول الجديد، وذلك وفق المقال المنشور.
ديون تتجاوز 42 مليار درهم
الوضعية المالية للمكتب بدورها أصبحت محور انتقادات، خصوصاً مع توالي القروض والإعلان عن استثمارات ضخمة استعداداً للاستحقاقات المقبلة.
ففي يونيو 2025، نشر موقع بلبريس أن ديون المكتب تجاوزت 42 مليار درهم، استناداً إلى الوثائق المرفقة بمشروع قانون المالية لسنة 2025، بالتزامن مع الموافقة على قرض بقيمة 350 مليون دولار لدعم تحديث القطاع السككي. وأشار الموقع إلى برنامج إنفاق بعشرات المليارات مرتبط بتوسيع الشبكة والتحضير لمونديال 2030.
مليارات للمشاريع.. ولكن ماذا عن الرحلة اليومية للمواطن؟
أعلن المغرب سنة 2025 عن برنامج لتطوير السكك الحديدية بقيمة 96 مليار درهم، يتضمن تمديد الخط فائق السرعة من القنيطرة إلى مراكش واقتناء 168 قطاراً جديداً من شركات فرنسية وإسبانية وكورية جنوبية، بقيمة تقارب 29 مليار درهم، وفق رويترز.
إنها مشاريع كبرى يمكن أن تغير خريطة النقل السككي بالمغرب، غير أن قيمتها الحقيقية ستظل مرتبطة بقدرتها على تحسين تجربة المواطن اليومية، وليس فقط بالأرقام والصفقات ومواعيد التدشين.
فالمسافر لا يقيس نجاح المؤسسة بعدد البلاغات أو حجم الاستثمارات وحده، بل باحترام موعد القطار، وسلامة الرحلة، ونظافة العربات، واشتغال التكييف، ووضوح المعلومة، وسرعة معالجة الشكايات، وحصول المتضرر على تعويض منصف.
بعد 22 سنة تقريباً.. ألا تستحق الحصيلة تقييماً مستقلاً؟
بعد أزيد من عقدين على تعيين محمد ربيع الخليع، يحق للرأي العام أن يسأل: هل خضعت هذه المدة الطويلة لتقييم مستقل وشامل؟ وما حصيلة المكتب في مؤشرات احترام المواعيد والسلامة وجودة الخدمة والمديونية؟ وما المسؤوليات الإدارية التي تم ترتيبها بعد الحوادث والأحكام القضائية؟
وبين قطارات فائقة السرعة ومشاريع بمليارات الدراهم من جهة، ومسافرين يشتكون من التأخير والاكتظاظ وضعف الخدمات من جهة ثانية، يحتاج المكتب الوطني للسكك الحديدية إلى تقديم أجوبة بالأرقام، لا إلى الاكتفاء بخطاب الإنجازات.
هل حان الوقت ليغادر الخليع محطة الـONCF؟
بعد ما يقارب 22 سنة على رأس المكتب الوطني للسكك الحديدية، يفرض سؤال الرحيل نفسه بقوة: هل حان الوقت لكي يغادر محمد ربيع الخليع إدارة الـONCF، ويفسح المجال أمام كفاءات جديدة برؤية مختلفة ونَفَس تدبيري جديد؟


