حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

يشكل إعلان رومانيا دعمها الصريح لمبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب لتسوية قضية الصحراء محطة جديدة في مسار دبلوماسي متصاعد تقوده المملكة منذ سنوات، ويعكس تحولا متواصلا في مواقف عدد متزايد من الدول التي باتت تعتبر المبادرة المغربية الإطار الأكثر واقعية ومصداقية لإنهاء أحد أقدم النزاعات الإقليمية في إفريقيا.

ولا تقتصر أهمية الموقف الروماني على كونه صادرا عن دولة عضو في الاتحاد الأوروبي، بل تتجلى كذلك في كونه يؤكد أن “حكما ذاتيا حقيقيا تحت السيادة المغربية” يمثل حلا قابلا للتطبيق، معتبرا أن المبادرة التي قدمها المغرب سنة 2007 تشكل الأساس الأكثر جدية وواقعية للتوصل إلى حل سياسي دائم ومقبول من الأطراف.

ويأتي ذلك في سياق أوروبي يتسم بتزايد الاقتناع بأن المقاربات التقليدية لم تعد قادرة على إنهاء النزاع، وأن الحل يجب أن يستند إلى الواقعية السياسية ويحافظ في الوقت ذاته على الاستقرار الإقليمي.

ويؤكد هذا التطور أن الدبلوماسية المغربية انتقلت من مرحلة الدفاع عن موقفها إلى مرحلة بناء توافق دولي واسع حول مبادرة الحكم الذاتي. فمنذ إطلاق هذه المبادرة في 2007، عمل المغرب على ربط قضية الصحراء بمنطق التنمية والاستقرار والأمن الإقليمي، مع تعزيز حضوره الاقتصادي والسياسي في القارة الإفريقية، وتوسيع شبكة شراكاته مع القوى الدولية والإقليمية، وهو ما انعكس تدريجيا على طبيعة المواقف الدولية.

وتبرز أهمية هذا المسار في أن التأييد لم يعد يقتصر على شركاء تقليديين للمغرب، بل أصبح يشمل دولا من مختلف القارات، بما فيها أوروبا وأمريكا وإفريقيا وآسيا والعالم العربي، وهو ما منح المبادرة المغربية زخما سياسيا غير مسبوق. وتشير المعطيات الرسمية إلى أن نحو ثلاثين دولة أوروبية، بينها 24 دولة عضو في الاتحاد الأوروبي، أصبحت تدعم المبادرة المغربية بدرجات متفاوتة، إلى جانب أكثر من ثلثي الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، وهو ما يعكس اتجاها دوليا متناميا نحو تبني الحل المغربي.

ويفسر هذا التحول بجملة من العوامل، أبرزها إدراك المجتمع الدولي أن استمرار النزاع يعرقل جهود التنمية والاندماج المغاربي، ويزيد من هشاشة منطقة الساحل والصحراء في مواجهة التحديات الأمنية، فضلا عن اقتناع عدد من العواصم الكبرى بأن مبادرة الحكم الذاتي توفر توازنا بين احترام السيادة المغربية ومنح الأقاليم الجنوبية صلاحيات واسعة في تدبير شؤونها المحلية.

كما لعبت المشاريع التنموية الكبرى التي أطلقها المغرب في الأقاليم الجنوبية دورا محوريا في تعزيز مصداقية المبادرة، إذ تحولت مدن مثل العيون والداخلة إلى نماذج للاستثمار والبنية التحتية والانفتاح الاقتصادي، بما يعكس إرادة المملكة في جعل الحكم الذاتي مشروعا تنمويا ومؤسساتيا قابلا للتنفيذ، وليس مجرد مقترح سياسي.

وفي المقابل، تجد الأطروحات الانفصالية نفسها أمام تضاؤل متزايد في هامش الدعم الدولي، خاصة مع تراجع عدد الدول التي تعترف بما يسمى “الجمهورية الصحراوية”، مقابل اتساع دائرة الدول التي تفتتح قنصليات في مدينتي العيون والداخلة أو تعلن صراحة دعمها للمبادرة المغربية. كما أن عددا متزايدا من القوى الدولية بات يركز في مواقفه على الحل السياسي الواقعي، بعيدا عن الطروحات التي أثبتت السنوات صعوبة تطبيقها على أرض الواقع.

وتؤكد الرسالة التي بعث بها الرئيس الروماني إلى جلالة الملك محمد السادس أن هذا التحول لا يرتبط بظرفية سياسية عابرة، بل هو نتيجة قراءة استراتيجية لموازين القوى وللتطورات التي شهدها الملف خلال السنوات الأخيرة. كما يعكس إدراكا متزايدا داخل أوروبا بأن استقرار الضفة الجنوبية للمتوسط يمر عبر تسوية واقعية لهذا النزاع، بما يعزز الأمن الإقليمي والتعاون الاقتصادي بين ضفتي المتوسط.

ومن الناحية الدبلوماسية، يعزز هذا المسار قدرة المغرب على تثبيت مبادرته كمرجعية أساسية داخل الأمم المتحدة، ويقوي موقعه خلال جولات المباحثات التي ترعاها المنظمة الأممية، خصوصا أن القرارات الأخيرة لمجلس الأمن تواصل الإشادة بجدية ومصداقية المبادرة المغربية، وتدعو إلى حل سياسي واقعي وعملي ومستدام قائم على التوافق.

وفي ضوء هذه التطورات، يبدو أن مبادرة الحكم الذاتي لم تعد مجرد مقترح مغربي، بل أصبحت تحظى باعتراف متزايد باعتبارها الخيار الأكثر قابلية للتطبيق لإنهاء النزاع. ومع كل موقف دولي جديد، تتوسع دائرة التأييد للمبادرة، بينما يرسخ المغرب موقعه كفاعل دبلوماسي استطاع، عبر رؤية استراتيجية يقودها جلالة الملك محمد السادس، تحويل قضية الصحراء من ملف تدافع سياسي إلى قضية تحظى بتأييد دولي متنامٍ يقوم على الواقعية السياسية ومقتضيات الاستقرار والتنمية.