انطلاقا من قناعة راسخة بأن الطب هو قبل كل شيء التزام بخدمة المجتمع، تظهر الدكتورة خلود الأحرش، منذ أكثر من عقدين، الكثير من التفاني والشغف المتواصل لفائدة الصحة العامة والعمل الجمعوي بمدينة طنجة، وعلى صعيد جهة طنجة – تطوان – الحسيمة ككل.
ويمثل مسارها المهني جيلا من الممارسين الذين لا يختزلون الطب في مجرد تقديم العلاج، بل يعتبرونه التزاما إنسانيا واجتماعيا حقيقيا.
وبعد حصولها على شهادة البكالوريا في العلوم التجريبية من ثانوية ابن الخطيب بطنجة، توجهت إلى الرباط لمتابعة دراستها بكلية الطب والصيدلة، حيث تخرجت عام 2000، قبل أن تنال في 2014 صفة طبيبة اختصاصية في طب الرياضة، التي منحها إياها الهيئة الوطنية للطبيبات والأطباء.
وانطلاقاً من إيمانها بأهمية التكوين المستمر، عززت مسارها بعدة شهادات جامعية في طب الرياضة والتغذية السريرية وطب المستعجلات والعناية التلطيفية، إلى جانب شهادات أخرى مكملة لممارستها متعددة التخصصات.
وبخبرة تمتد لـ25 عاما في القطاع العام، بدأت خلود الأحرش مسارها المهني في الوسط القروي، حيث تولت تقديم الرعاية الصحية لساكنة بعيدة عن البنيات الصحية، كما شاركت في مبادرات للصحة المتنقلة والهادفة الى الحد من الفوارق في الولوج إلى العلاج.
وبعد ذلك انتقلت إلى العمل في الوسط الحضري، بداية من مدينة شفشاون ثم طنجة، حيث تمارس مهامها في كل من القطاع الاستشفائي وخدمات العلاجات الإسعافية، واضعة خبرتها في خدمة المواطنين، ومتولية تدريجيا مسؤوليات في تدبير الصحة العامة.
وتجسد حسها بالواجب بشكل خاص خلال جائحة كوفيد-19، حين تطوعت ضمن مسار كوفيد، منخرطة في فرق التدخل السريع لتكفل المرضى وتتبع حالتهم.
وفي خضم هذه الروح التضامنية نفسها، ساهمت الدكتورة الأحرش، أيضا، في الوحدة المتنقلة للعناية التلطيفية المخصصة لمواكبة المرضى في وضعية هشاشة بمنازلهم.
ولم يقتصر التزام هذه الطبيبة الطنجاوية على كل هذا، بل امتد ليشمل الهيئات المهنية، إذ انتخبت مستشارة بالمجلس الجهوي للهيئة الوطنية للطبيبات والأطباء بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة لولايتين متتاليتين، حيث تعمل على تعزيز الحكامة والارتقاء بجودة الممارسات الطبية.
وفي السياق ذاته، وبصفتها رئيسة جمعية أطباء الصحة العمومية بطنجة، تجعل الدكتورة الأحرش العمل الاجتماعي والتضامن في صلب أولوياتها.
وتقول في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء : “منذ حصولي على شهادة الطب، وجدت نفسي بشكل طبيعي في خضم العمل الاجتماعي، الذي يمثل بالنسبة لي مصدراً كبيرا للرضا”.
ومن خلال هذه الجمعية، تعمل بشكل خاص على تسهيل الولوج إلى العلاج، خاصة في الوسط القروي، وتعزيز الوقاية والتربية الصحية، إضافة إلى دعم التكوين الطبي المستمر بهدف تحسين جودة الخدمات الصحية.
كما تشجع روح التضامن والتعاون والعمل التطوعي بين الأطباء من مختلف القطاعات والتخصصات، بهدف الاستجابة بشكل أفضل لاحتياجات المواطنين.
ومن بين المبادرات البارزة التي تشرف الدكتورة الأحرش عليها، تنظيم القوافل الطبية متعددة التخصصات، والقوافل المتخصصة في تتبع الحمل، وحملات التحسيس المنظمة بمناسبة الأيام الوطنية والدولية للصحة، إلى جانب المؤتمرات وورشات العمل والموائد المستديرة الرامية إلى تعزيز كفاءات مهنيي الصحة.
وفي حديثها عن تحديات الصحة العمومية بالجهة، تؤكد الدكتورة في حديثها للوكالة أن الدينامية الديمغرافية والاقتصادية المتسارعة بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة تفرز طلبا متزايدا على الخدمات الصحية، ما يجعل ضمان ولوج منصف إلى علاجات فعالة ومتمحورة حول المواطن أمرا بالغ الحيوية.
وفي هذا الإطار، تشدد على ضرورة تعزيز مشاركة المجتمع في أنشطة الوقاية والتربية الصحية، مع إبراز الدور الهيكلي للمركز الاستشفائي الجامعي في تكوين الأطر الصحية وتطوير الخدمات.
ومن هذا المنظور، ترى الدكتورة الأحرش، وهي أيضا رئيسة مصلحة الصحة العمومية مجال – المنطقة الصحية طنجة، التابعة للمجموعة الصحية الترابية للجهة، أن إحداث هذه الهيئة يشكل خطوة مهمة في تطوير منظومة الصحة، موضحة أن هذا الجهاز يهدف إلى إرساء حكامة جديدة تعزز التنسيق بين المؤسسات الصحية، بما يضمن تكفلا أكثر تكاملا وتنظيما وفعالية بالمرضى.
كما سيمكن من تسهيل مسار المريض، وتحسين سرعة التكفل، وملاءمة الخدمات مع الخصوصيات الجهوية، فضلا عن تعزيز التكامل بين القطاعين العام والخاص.
وبمناسبة يوم المرأة العالمي، توقفت الدكتورة الأحرش عند تطور مكانة المرأة في قطاع الصحة، مشيرة إلى أن هذا المجال يعرف اليوم تزايدا ملحوظا في حضور النساء، اللواتي أصبحن يشكلن غالبية مهنيي الصحة.
ورغم هذا الحضور اللافت، تضيف المتحدثة، ما تزال النساء ممثلات بشكل محدود في بعض مناصب المسؤولية وفي بعض التخصصات، لاسيما الجراحية، وذلك بسبب التحديات المرتبطة بالتوفيق بين الحياة المهنية والحياة الأسرية.
وبالنسبة لها، فإن انخراط النساء في مهن الصحة يتأسس أيضا على قيم إنسانية راسخة، قائلة “إن المرأة غالباً ما تتمتع بحساسية كبيرة وتعاطف خاص مع من يعانون”، مشيرة إلى أن النساء حاضرات بقوة في هذا القطاع، لكن حضورهن ما يزال غير مرئي بما يكفي.
وبقيم المسؤولية والتضامن والتعاون والإنسانية، ترى الدكتورة الأحرش في الطب رسالة تتجاوز حدود الممارسة السريرية، معتبرة أن يوم المرأة العالمي يشكل مناسبة للاحتفاء بالمكتسبات المحققة، وإعلاء صوت النساء أكثر، ومواصلة الجهود لتحسين حقوقهن، خاصة بالنسبة للنساء في وضعية هشاشة.
ومن خلال مسارها المتميز وانخراطها الميداني، تجسد الأحرش صورة الطبيبة المرتبطة بقيم التضامن والخدمة العمومية، والتي تعمل بلا كلل من أجل صحة متاحة ومنصفة وإنسانية في خدمة المواطنين.




تعليقات
0