في عالم السياسة، حيث كثيراً ما تتقدم التصريحات على الأفعال، يبرز نموذج آخر من المسؤولين الذين يراهنون على التجربة والتدبير والاشتغال على الملفات بعيداً عن صخب المواقف. ومن هذا المنظور، يمكن قراءة البدايات الحكومية لخالد حاتيمي، وزير الفلاحة والصيد البحري والسيادة الغذائية، الذي انتقل من عالم المقاولات والتمثيل البرلماني إلى قيادة واحدة من أكثر الحقائب الوزارية ارتباطاً بالاقتصاد الوطني والحياة اليومية للمغاربة.
خالد حاتيمي، ابن إقليم تارودانت، يحمل إلى الحكومة مساراً يجمع بين التجربة الاقتصادية والعمل السياسي، في صورة مسؤول يراهن على قوة التدبير وهدوء الأسلوب، دون أن تكون قوة المسؤول بالضرورة في ارتفاع صوته أو كثرة ظهوره.
فمنذ تعيينه من طرف الملك محمد السادس يوم 16 أكتوبر 2026، وجد حاتيمي نفسه أمام مسؤولية ثقيلة، عنوانها الأبرز السيادة الغذائية، في مرحلة تتطلب تطوير الإنتاج الوطني، ودعم الفلاحين، ومواجهة التحديات المرتبطة بالماء والمناخ والأسعار، وإعادة الاعتبار للعالم القروي باعتباره ركيزة أساسية للتنمية.
ولعل أبرز ما يميز المسار المهني للوزير الجديد هو أنه لم يصل إلى المسؤولية الحكومية من فراغ، بل بعد أكثر من ثلاثين سنة من العمل في مجال إدارة المقاولات، منها أزيد من عشر سنوات في مناصب القيادة العليا داخل شركات ومجموعات اقتصادية كبرى، خصوصاً في قطاعات الصناعة والصناعات الغذائية والفلاحة.
هذه التجربة، إلى جانب تكوينه الأكاديمي في استراتيجية المقاولات بجامعة إيموري الأمريكية، تمنحه معرفة بمنطق الاستثمار والإنتاج والحكامة وتدبير الموارد، وهي مؤهلات تكتسي أهمية خاصة في قطاع يحتاج إلى قرارات اقتصادية مدروسة وقدرة على التوفيق بين مصالح المنتجين ومتطلبات السوق الوطنية.
ولم تقتصر تجربة حاتيمي على القطاع الخاص، فقد راكم كذلك تجربة في العمل التشريعي بصفته نائباً برلمانياً عن دائرة تارودانت الجنوبية، حيث كان عضواً بلجنة المالية، وهو ما أتاح له الاحتكاك بملفات الميزانية والسياسات العمومية والتوازنات الاقتصادية.
واللافت في بدايات حاتيمي أن الملفات التي وضعها في واجهة تحركاته ليست ملفات هامشية، وإنما ترتبط مباشرة بمستقبل الإنتاج الفلاحي والأمن الغذائي للمملكة.
ففي 27 أكتوبر 2026، ترأس بالرباط فعاليات الاحتفال باليوم العالمي للأغذية، بحضور ممثل منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة بالمغرب، حيث أكد أهمية الابتكار والبحث العلمي ومساهمة الشباب في بناء فلاحة وطنية قوية ومستدامة، قادرة على مواجهة التقلبات المناخية وضمان الأمن الغذائي.
ولم يقتصر حضوره على اللقاءات المؤسساتية، إذ انتقل إلى مدينة أرفود للمشاركة في الملتقى الدولي للتمر، والاطلاع على عدد من المشاريع المرتبطة بالبحث العلمي وتطوير نخيل التمر وتأهيل المنظومات الواحية، في خطوة تضع قضايا الفلاحين والمنتجين بالمناطق الواحية ضمن الاهتمامات المطروحة على الوزارة.
وفي 31 أكتوبر، حل حاتيمي بإقليم العيون، حيث اطلع على مشاريع لتطوير تربية الأبقار وإنتاج الحليب، وتحدث عن توجه لإحداث ستة أحواض للإنتاج الفلاحي على المستوى الوطني، تقوم على تجميع الفلاحين الصغار والمتوسطين وتوفير التأطير والتمويل والتحويل والتسويق.
وتبرز أهمية هذا التوجه في كونه يربط مفهوم السيادة الغذائية بتنظيم الإنتاج وتأهيل سلاسل القيمة، بدل اختزاله في مجرد الرفع من حجم الإنتاج الفلاحي.
وبين الرباط وأرفود والعيون، تكشف هذه التحركات الأولى عن جدول عمل يتوزع بين الملفات الاستراتيجية والحضور الميداني.
وتزداد أهمية المهمة التي يتولاها الوزير بالنظر إلى إعادة تنظيم اختصاصات وزارة الفلاحة، وإسناد مسؤولية إعداد وتتبع سياسة السيادة الغذائية إليها، وفق المقتضيات التنظيمية الجديدة، بما يضع حاتيمي أمام اختبار يتجاوز التدبير القطاعي التقليدي إلى ضمان استدامة الإمدادات الغذائية وتعزيز قدرة المملكة على الإنتاج.
وتتجلى قوة خالد حاتيمي في ما يحمله من تجربة تدبيرية ورؤية اقتصادية، وفي قدرته على مقاربة الملفات الكبرى بهدوء ومسؤولية، واضعاً مصلحة الفلاح المغربي وتعزيز الإنتاج الوطني وتحقيق السيادة الغذائية في صلب أولويات المرحلة، بما يعكس طموحاً لإرساء تدبير فلاحي يقوم على النجاعة والاستمرارية وتحقيق نتائج ملموسة لفائدة المواطنين.
وفي العمل السياسي، لا يرتبط الهدوء بالابتعاد عن الأضواء بقدر ما قد يعكس نهجاً في تدبير المسؤولية، يقوم على التروي في اتخاذ القرارات، والإنصات لمختلف الفاعلين، والتعامل مع الملفات الكبرى برؤية واضحة، تجمع بين الحكمة في المقاربة والحزم في التنفيذ.
ويأتي خالد حاتيمي إلى هذه المسؤولية مستنداً إلى تجربة وازنة في المجال الاقتصادي والعمل البرلماني، حاملاً معه مقاربة في التدبير تقوم على الهدوء والتروي والحزم في اتخاذ القرار، في مرحلة تفرض مواكبة التحولات الكبرى التي يشهدها القطاع الفلاحي، وتعزيز السيادة الغذائية، والاستجابة لتطلعات الفلاحين والمواطنين على حد سواء.
وفي نهاية المطاف، يدخل خالد حاتيمي هذه المرحلة محمّلاً برصيد من التجربة والمسؤولية، وبأسلوب في العمل يجمع بين هدوء المقاربة وجدية الرهان. وبين تحديات الحاضر وطموحات المستقبل، تبقى الآمال معقودة على أن يترجم هذه المؤهلات إلى إنجازات ملموسة تخدم الفلاح المغربي وتعزز مكانة الفلاحة الوطنية، في مسار تكون فيه قوة القرار مقرونة بحكمة التدبير، وتكون النتائج أبلغ من الكلمات.





