حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

تدخل المملكة المغربية مرحلة حاسمة في مشروعها الرامي إلى إرساء صناعة بحرية متكاملة، مع اقتراب الحسم في صفقة تشغيل وإدارة ورش بناء وإصلاح السفن بميناء الدار البيضاء، التي استقطبت اهتمام كبريات الشركات العالمية المتخصصة في الصناعات البحرية، في مؤشر على تنامي جاذبية المغرب كوجهة استثمارية في هذا القطاع الاستراتيجي.

وتتصدر شركة “إتش دي هيونداي للصناعات الثقيلة” الكورية الجنوبية، إحدى أكبر شركات بناء السفن في العالم، قائمة المتنافسين على إدارة المشروع، إلى جانب المجموعة الصينية “نينغبو شينلي” والشركة الإيطالية “سان جورجيو ديل بورتو”، بعدما تأهلت هذه الشركات إلى المرحلة النهائية من المسطرة التي أطلقتها الوكالة الوطنية للموانئ لإسناد عقد التشغيل والتطوير لمدة تصل إلى 30 سنة.

وبحسب معطيات متخصصة في قطاع الصناعات البحرية، فإن المشروع لا يقتصر على منح امتياز لتشغيل ورش إصلاح السفن، بل يتعلق بإطلاق منصة صناعية متكاملة تستهدف تحويل الدار البيضاء إلى مركز إقليمي لخدمات بناء السفن وصيانتها وتحديثها وتفكيكها وإعادة تدويرها، بما يعزز مكانة المغرب ضمن سلاسل القيمة العالمية للصناعات البحرية.

وتبلغ الاستثمارات الأولية المرتقبة في المشروع ما لا يقل عن 300 مليون دولار، فيما يرتقب الإعلان عن الشركة الفائزة خلال الأسابيع المقبلة، في خطوة ستحدد ملامح أحد أكبر المشاريع البحرية بالمملكة خلال العقود المقبلة.

وفي إطار تعزيز حظوظها، دخلت الشركة الكورية في تحالف مع شركة “صوماجيك” المغربية وشركة تركية متخصصة في بناء السفن، بينما شكلت المجموعة الصينية تحالفا مع شركة “رادي هولدينغ” المغربية وشريك إسباني متخصص في الصناعات البحرية، في حين تسعى جميع الأطراف إلى تقديم عروض تجمع بين الخبرة الصناعية ونقل التكنولوجيا وتطوير الكفاءات المحلية.

وتولي السلطات المغربية أهمية خاصة للشراكات التي تتضمن بعدا صناعيا وتنمويا، إذ لا يقتصر تقييم العروض على الجوانب المالية والتقنية، وإنما يشمل كذلك مدى مساهمة المستثمر في نقل التكنولوجيا، وتأهيل اليد العاملة المغربية، وخلق فرص الشغل، وتطوير منظومة وطنية لصناعة السفن.

ويستند المشروع إلى الموقع الجغرافي الاستثنائي لميناء الدار البيضاء، القريب من مضيق جبل طارق وأحد أهم خطوط الملاحة التجارية العالمية، وهو ما يمنحه قدرة على استقطاب سفن أوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط الراغبة في خدمات الإصلاح والصيانة والتحديث.

كما تتعزز أهمية المشروع في ظل التحولات التي يشهدها قطاع النقل البحري العالمي، خاصة مع تشديد المعايير البيئية الأوروبية، وارتفاع الطلب على تحديث السفن لتقليل الانبعاثات الكربونية، إلى جانب توسع الأساطيل البحرية في إفريقيا والشرق الأوسط، ما يفتح آفاقا واسعة أمام مراكز الصيانة والإصلاح القريبة من هذه الأسواق.

ويرى متابعون أن نجاح المشروع سيشكل نقلة نوعية للصناعة البحرية المغربية، إذ سيتيح للمملكة ولوج قطاع ذي قيمة مضافة مرتفعة، ويسهم في تنويع القاعدة الصناعية الوطنية، مع تعزيز مكانة ميناء الدار البيضاء كمحور إقليمي للخدمات البحرية، إلى جانب الأدوار اللوجستية التي تضطلع بها الموانئ المغربية، وعلى رأسها ميناء طنجة المتوسط.

وبالنسبة للشركة الكورية، فإن الفوز بالعقد سيمثل امتدادا لاستراتيجيتها الرامية إلى توسيع حضورها الصناعي خارج آسيا، بعدما رسخت وجودها في كل من فيتنام والفلبين، حيث تراهن على إنشاء قاعدة إنتاج وصيانة تخدم السوقين الأوروبية والإفريقية، وتوفر استجابة أسرع لطلبات شركات الشحن العالمية، مع تعزيز تنافسيتها في سوق يشهد تحولات متسارعة نحو السفن منخفضة الانبعاثات والتقنيات البحرية الحديثة.

ويعكس حجم المنافسة الدولية على المشروع الثقة المتزايدة في البيئة الاستثمارية المغربية، كما يؤكد أن المملكة باتت مرشحة للعب دور أكبر في الصناعات البحرية، ليس فقط كممر لوجستي عالمي، وإنما أيضا كقاعدة صناعية قادرة على استقطاب الاستثمارات ونقل التكنولوجيا وتطوير منظومة متكاملة لبناء وإصلاح السفن على المستوى الإفريقي.