أطلت الدبلوماسية الجزائرية من جديد عبر منصة مجلس وزراء الداخلية العرب، لتنسج خيوطا من التناقض الصارخ الذي بات سمة ملازمة لسياساتها الإقليمية.
فبينما يتحدث وزير داخليتها، سعيد سعيود، بلغة “الالتزام الراسخ” بالأمن القومي العربي و”الاحترام المطلق” لسيادة الدول، تنكشف عورة هذه الادعاءات عند أول اختبار حقيقي على أرض الواقع، وتحديداً في منطقة شمال أفريقيا التي لم تسلم من مناورات الجار الشرقي للمغرب، الرامية لتمزيق وحدة الجوار.
الحديث عن “تحييد المنطقة عن تداعيات الصراعات” يبدو ضربا من العبث الفكري حين يصدر عن نظام كرس مقدرات شعبه وعقيدته الدبلوماسية لعقود من أجل تقويض الوحدة الترابية للمملكة المغربية.
فكيف يستقيم التباكي على “الأمن والاستقرار العربي” مع الإصرار على احتضان وتمويل وتسليح ميليشيات انفصالية تسعى لزعزعة استقرار المغرب وتأجيج التوتر في منطقة الساحل والصحراء؟
إن الاستثمار في نزاع الصحراء المغربية ليس مجرد موقف سياسي، بل هو محاولة مستحيلة لكسر التوازن الإقليمي، وهي محاولات لم تؤد إلا إلى تعميق الهوة بين الأشقاء وفتح الأبواب أمام القوى المتربصة بالمنطقة برمتها.
أما الموقف الجزائري تجاه الاعتداءات الإيرانية، الذي جاء بصيغة “التضامن الظرفي”، فهو لا يعدو كونه محاولة لتجميل صورة النظام أمام العواصم العربية، بينما تمضي الجزائر في تحالفات مشبوهة مع أطراف تسعى علانية لاختراق الجسد العربي ونشر الأجندات التوسعية.
الجزائر التي تحذر من “تفاقم التهديدات الأمنية وتنامي الإرهاب”، هي نفسها التي ترفض التعاون الأمني الجاد وتغلق حدودها، خارقة بذلك أبسط مبادئ “العمل العربي المشترك” الذي تتباكى عليه في المحافل الافتراضية.
إن التناقض بين الخطاب الإنشائي المثالي والممارسة الميدانية التخريبية يضع الجزائر في عزلة متزايدة. فالأمن العربي لا يبنى بالخطب الرنانة عبر تقنيات “التحاضر عن بعد”، بل بصدق النوايا والكف عن التدخل في شؤون الجيران ومباركة الانفصال.
إن إصرار الجزائر على لعب دور رجل الإطفاء في الشرق الأوسط، بينما هي نفسها من يوقد النيران في مغربها الكبير، يكشف عن انفصام سياسي يجعل من ادعاءاتها مجرد صدى في قاعة فارغة، بعيدة كل البعد عن هموم الشعوب العربية التي سئمت من سياسات المحاور وصناعة الأزمات المفتعلة.


