أعاد تعذر انعقاد الدورة العادية لمجلس جهة سوس ماسة لشهر أكتوبر، بسبب عدم اكتمال النصاب القانوني، النقاش حول واقع تدبير المؤسسة الجهوية وحدود مسؤولية المنتخبين في ضمان السير العادي لأشغال المجلس. غير أن اختزال النقاش في الغياب أو الحضور، أو في الخلافات الحزبية داخل الأغلبية، قد يحجب سؤالاً أكثر جوهرية يتعلق بجوهر ورش الجهوية المتقدمة نفسه: ماذا حققت هذه الجهوية فعلياً للمواطنين في مختلف أقاليم وجماعات سوس ماسة، وهل وصلت ثمارها إلى المناطق التي ما زالت تعاني من أبسط مظاهر الهشاشة؟
فالجهوية المتقدمة ليست مجرد انتظام دورات المجالس، ولا هي فقط اتفاقيات تصادق عليها المؤسسات المنتخبة، وإنما ورش يراد منه تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، وتقريب التنمية من المواطن، وتمكين مختلف المناطق من الاستفادة العادلة من الإمكانيات والموارد. ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن نجاح الجهوية المتقدمة في سوس ماسة يفترض أن يقاس أيضاً بما تحقق في الجماعات القروية والمناطق النائية، وليس فقط بما تشهده الحواضر الكبرى من مشاريع واستثمارات.
وهنا تطرح أيضاً أسئلة أخرى لا تقل أهمية: من يسير اليوم شؤون المواطنين بجهة سوس ماسة؟ هل هو المنتخب الذي وصل إلى موقع المسؤولية عبر صناديق الاقتراع، أم أن هناك من يريد أن يضع يده على القرار الجهوي، ويجعل من المنتخب مجرد أداة للتصويت ورفع اليد خلال دورات المجلس؟ هذه ليست أسئلة هامشية، لأن الجهوية المتقدمة وضعت المنتخب في صلب تنزيلها، ومنحت المؤسسات المنتخبة مسؤولية تدبير الشأن الجهوي واتخاذ القرارات التي تهم المواطنين. ومن حق المنتخب، في المقابل، أن يعبر عن رأيه، وأن يناقش، وأن يعترض، وأن يطلب توضيحات حول النقط المدرجة في جدول الأعمال، لا أن يكون مطالباً فقط بالتصويت على قرارات لم تتح له فرصة مناقشتها أو الاطلاع الكافي عليها قبل انعقاد الدورة.
فالمنتخبون ليسوا مجرد أرقام لاستكمال النصاب، ولا “كومبارس” داخل مجالس منتخبة، وإنما هم ممثلو المواطنين، ومن حقهم أن يمارسوا دورهم الرقابي والسياسي والتقريري داخل المؤسسة. وإذا كانت هناك خلافات حول إعداد جدول الأعمال أو حول طريقة تدبير اجتماعات المكتب أو حول بعض النقط، فإن المكان الطبيعي لمناقشتها هو المؤسسة نفسها، وبوضوح، لأن الديمقراطية المحلية لا تعني فقط التصويت عندما تكون الأمور متفقاً عليها، وإنما تعني أيضاً حق الاختلاف والاعتراض والمساءلة. وقبل أن تتم محاسبة المنتخبين على مواقفهم، يجب أيضاً أن يطرح السؤال حول مدى احترام حقهم في المعرفة والمناقشة والمشاركة الفعلية في صناعة القرار.
وفي هذا السياق، تطرح علامات استفهام مشروعة حول عدد من الجماعات بإقليم تارودانت، إلى جانب جماعات بأقاليم شتوكة آيت باها وتيزنيت وطاطا، التي لا تزال تعاني من خصاص واضح في عدد من البنيات والخدمات الأساسية، بل إن بعضها لا يكاد يرى أثراً لمشاريع جهوية كبرى كان من المفترض أن تساهم في تحسين ظروف العيش. فهناك مناطق لا تزال تواجه صعوبات مرتبطة بالمسالك والطرق، وأخرى تعاني من إشكالات مرتبطة بالماء الصالح للشرب، فيما يظل التلاميذ في عدد من المناطق القروية أمام صعوبات حقيقية في مواصلة الدراسة بسبب بُعد المؤسسات التعليمية وغياب أو محدودية النقل المدرسي.
ولعل زلزال 8 شتنبر 2023 كشف بشكل صارخ حجم الهشاشة التي تعاني منها بعض المناطق الجبلية والقروية بإقليم تارودانت، عندما وجدت السلطات المختصة والقوات المسلحة الملكية ومختلف المؤسسات والمتدخلين أنفسهم أمام تحديات كبيرة للوصول إلى عدد من الدواوير وانتشال الضحايا وإيصال المساعدات. وبعد مرور سنوات على هذه الفاجعة، يبقى السؤال مطروحاً حول ما إذا كانت الجهود التنموية المعلنة قد نجحت فعلاً في معالجة مظاهر العزلة والهشاشة وتقليص الفوارق بين مختلف مناطق الجهة.
ومن حق الرأي العام، في المقابل، أن يسائل مجلس جهة سوس ماسة عن المشاريع الكبرى والاستراتيجية التي ظلت لسنوات حاضرة في الخطاب والبرامج، دون أن يكون لها، إلى حدود اليوم، الأثر المنتظر على أرض الواقع. ومن بين الملفات التي تستحق التوضيح الميناء الجاف، ومشروع الخط البحري الرابط بين أكادير ودكار، إلى جانب المنطقة الصناعية وغيرها من الأوراش التي يفترض أن تكون رافعة للاستثمار وخلق فرص الشغل وتعزيز تنافسية الجهة. والسؤال هنا ليس من باب التشكيك في النوايا، وإنما يتعلق بمدى تنزيل هذه المشاريع والآجال التي قطعتها وماذا تحقق منها فعلياً، وماذا فعلت جهات الرقابة للدفع بهذه الأوراش للخروج لأرض الواقع بدلا من أن تبقى حبرا على ورق فقط.
كما أن الحديث عن الجهوية المتقدمة يقتضي فتح النقاش حول طريقة توزيع المشاريع والاستثمارات داخل الجهة، حتى لا ينحصر مفهوم التنمية الجهوية في مراكز حضرية محددة، بينما تظل جماعات قروية أخرى تنتظر نصيبها من البنيات الأساسية والخدمات والمشاريع. فسوس ماسة ليست أكادير وإنزكان وأيت ملول وتارودانت وتيزنيت وبيوكرى فقط، وإنما هي أيضاً عشرات الجماعات القروية والمناطق الجبلية التي يفترض أن تكون في صلب فلسفة الجهوية المتقدمة، باعتبارها أداة لتقليص الفوارق وليس لإعادة إنتاجها.
ومن هنا، فإن تحميل الخلافات الحزبية داخل مجلس الجهة وحدها مسؤولية تعثر التنمية قد يكون اختزالاً لمشهد أكثر تعقيداً. نعم، من حق المواطنين أن يسائلوا المنتخبين عن خلافاتهم وعن أسباب تعذر انعقاد دورة المجلس، وعن مدى احترام المؤسسات لانتظارات الساكنة، لكن من حقهم أيضاً أن يسائلوا المجلس عن حصيلة سنوات من التدبير، وعن الأموال التي صرفت، وعن المشاريع التي أنجزت، وعن تلك التي تأخرت أو لم تر النور، وعن الأثر الحقيقي لهذه النفقات على الحياة اليومية للمواطنين.
وفي النهاية، فإن الدفاع عن الورش الملكي للجهوية المتقدمة لا يكون بتحويله إلى عنوان في سجالات سياسية ظرفية، ولا باستعماله لتوجيه اللوم إلى طرف دون آخر، وإنما بالدفاع عن جوهره ومساءلة الجميع حول حصيلته. والمواطن في سوس ماسة لا ينتظر سجالات بين مكونات المجالس، بقدر ما ينتظر طريقاً يفك العزلة عن دواره، وماءً صالحاً للشرب، ونقلاً مدرسياً يضمن لأبنائه حقهم في التعليم، ومشاريع استثمارية تخلق فرص الشغل، وتنمية يشعر بآثارها في حياته اليومية. فالسؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يظل مطروحاً هو: هل نجحنا فعلاً في تنزيل الجهوية المتقدمة في سوس ماسة، أم ما زالت مناطق واسعة من الجهة تنتظر أن يصلها نصيبها من هذا الورش الملكي الذي يريد البعض أن يختبئ وراءه؟







