عبد الصمد قيوح ليس اسما عابرا في تارودانت الجنوبية، ولا سياسيا اكتشف هوارة مع اقتراب موعد الانتخابات. علاقته بالمنطقة ممتدة لسنوات، وحضوره فيها صنع مع الوقت شبكة من العلاقات السياسية والاجتماعية والإنسانية، جعلته اليوم واحداً من أصعب الأسماء التي يمكن تجاوزها في أي قراءة للسباق الانتخابي بتارودانت الجنوبية.
في السياسة، قد تصنع الأحزاب مرشحين، وقد تصنع الحملات الانتخابية أسماء جديدة، لكن هناك دوائر انتخابية تظل فيها العلاقة بالأرض أقوى من الملصقات والشعارات. وتارودانت الجنوبية واحدة من هذه الدوائر، حيث تتداخل السياسة بالعائلة، والفلاحة بالمجتمع، والقبيلة بالمجال، ويصبح السؤال عن المرشح مرتبطاً أيضاً بسؤال أكثر بساطة: ماذا قدم للمنطقة؟
وسط هذه المعادلة يبرز اسم عبد الصمد قيوح، وزير النقل واللوجيستيك والقيادي في حزب الاستقلال، كواحد من أبرز الأسماء في معادلة الاستحقاقات المقبلة بتارودانت الجنوبية. فقيوح لا يدخل هذه الدائرة كوجه انتخابي جديد، بل كابن للمنطقة وسياسي راكم سنوات من الحضور البرلماني والحكومي، قبل أن يتولى اليوم مسؤولية قطاع وزاري استراتيجي. وهو رصيد يجعل اسمه حاضراً بقوة في حسابات الدائرة، خصوصاً في ظل العلاقة التي نسجها على مدى سنوات مع الفاعلين المحليين والفلاحين والشباب وعدد من مكونات المجتمع الهواري.
لكن قصة قيوح مع هوارة لا تختزل في مقعد برلماني، ولا في حقيبة وزارية، ولا حتى في تاريخ سياسي لعائلة معروفة بالمنطقة. فالذي يمنح الرجل ثقلا مختلفا هو ذلك الامتداد الاجتماعي والمحلي الذي بناه على مدى سنوات وسط مجال يعرفه ويعرف تفاصيله، ويعرف بدوره الرجل وعائلته.
وفي عدد من دواوير هوارة، لا يجري الحديث عن قيوح باعتباره سياسيا يأتي من الرباط إلى المنطقة، بل باعتباره واحدا من أبنائها. وهذه الجزئية، مهما بدت بسيطة، يمكن أن تتحول في الانتخابات إلى رأسمال سياسي يصعب على المنافسين بناؤه في بضعة أشهر.
فهو ابن المنطقة، وأصوله منها، وعلاقاته الاجتماعية والسياسية ممتدة داخلها. ولهذا يفضل قسم من الهواريين الرهان على «ولد البلاد» عندما يتعلق الأمر بمن سيمثلهم ويترافع عن ملفاتهم، خصوصاً عندما يكون هذا الانتماء المحلي مصحوباً بتجربة طويلة داخل البرلمان والحكومة ومراكز القرار.
وهنا بالضبط تكمن إحدى نقاط قوة عبد الصمد قيوح.
فالرجل لا يقدم نفسه فقط كمنتخب محلي، وإنما كسياسي راكم تجربة جعلته قادراً على مخاطبة الوزارات والإدارات المركزية من موقع يعرف طريقة اشتغالها، وهي ورقة مهمة بالنسبة إلى منطقة ما تزال عدة جماعات ودواوير فيها تنتظر مشاريع مرتبطة بالطرق والماء والتجهيز والاستثمار وفك العزلة.
هوارة منطقة فلاحية بامتياز، وبالتالي فإن الماء والطرق والمسالك وربط مناطق الإنتاج بالأسواق ليست ملفات تقنية بعيدة عن المواطن، وإنما قضايا مرتبطة مباشرة بدخله واستمرار نشاطه ومستقبل أسرته.
ومن هنا يمكن فهم لماذا يحتفظ قيوح بعلاقات ممتدة داخل النسيج الفلاحي والاجتماعي للمنطقة، ولماذا يظل اسمه حاضراً بقوة كلما بدأ الحديث عن الانتخابات.
ولا يحتاج الدفاع عن حصيلة المشاريع التي عرفتها تارودانت إلى كثير من المبالغة السياسية؛ فالمنطقة عرفت خلال السنوات الماضية برامج واتفاقيات ومشاريع في قطاعات مختلفة. لكن من الضروري، في المقابل، عدم نسب كل مشروع بشكل شخصي إلى قيوح، لأن إنجاز المشاريع العمومية تشترك فيه الدولة والوزارات والجماعات والجهة ومؤسسات أخرى.
القيمة السياسية للرجل توجد أكثر في قدرته على الترافع وربط المنطقة بمراكز القرار واستثمار تجربته وعلاقاته المؤسساتية لخدمة ملفاتها.
وهذه نقطة قد تكون حاسمة في الاستحقاق المقبل.
فالناخب الهواري لا يريد فقط من يخبره بأن الطريق ستُنجز أو أن المشروع سيأتي؛ بل يريد سياسياً يستطيع حمل الملف من الدوار والجماعة إلى الرباط، ثم العودة بنتيجة ملموسة.
ولذلك فإن المعركة التي يخوضها قيوح ليست معركة وعود جديدة بقدر ما ستكون معركة إقناع الناخب بأن سنوات وجوده في مواقع المسؤولية أنتجت للمنطقة رصيداً يستحق أن يستمر.
وهنا تصبح الأرقام والمشاريع والاتفاقيات أهم من الخطب.
فالطريق التي فكت عزلة دوار، والماء الذي وصل إلى قرية، والمشروع الذي وفر خدمة، والاستثمار الذي خلق فرصة، كلها أشياء تبقى في ذاكرة الناخب أطول من مهرجان خطابي ينتهي في ساعتين.
ولا يبدو أن حزب الاستقلال نفسه يتعامل مع تارودانت باعتبارها منطقة هامشية في حساباته. ففي يونيو 2026 احتضنت المدينة مجلساً إقليمياً للحزب حضره عبد الصمد قيوح وزينب قيوح ومنتخبون وقيادات استقلالية، وكان النقاش التنموي للإقليم حاضراً في اللقاء.
زينب قيوح.. النصف الآخر من الحضور
وعند الحديث عن الحضور السياسي لعائلة قيوح في تارودانت، سيكون من الصعب تجاهل اسم زينب قيوح.
فالسنوات الأخيرة منحتها حضوراً متزايداً داخل المشهد الجهوي، ليس فقط من خلال انتمائها السياسي، ولكن أيضاً من خلال موقعها داخل مجلس جهة سوس ماسة وتحركاتها المرتبطة بعدد من الملفات التنموية.
في يونيو 2024، ترأست زينب قيوح بتارودانت لقاءً حول برنامج التنمية الجهوية 2022-2027 بصفتها نائبة لرئيس مجلس جهة سوس ماسة، وكان اللقاء موجهاً خصوصاً إلى الشباب والنساء بالإقليم.
كما ارتبط حضورها الميداني بإطلاق مشاريع محلية؛ ففي نونبر 2024 شاركت في تدشين وإعطاء الانطلاقة لمشاريع مرتبطة بالماء الشروب والتكوين المهني بجماعة زاوية سيدي الطاهر بإقليم تارودانت.
وقبل ذلك بأشهر، ترأست دورة استثنائية لمجلس جهة سوس ماسة، في سابقة وُصفت آنذاك بأنها المرة الأولى التي تسند فيها رئاسة جلسة للجهة إلى امرأة منذ إحداثها.
لهذا بدأ بعض المناضلين الاستقلاليين يطلقون عليها لقب «سيدة الجنوب الأولى»؛ وهو بطبيعة الحال لقب سياسي متداول وليس صفة رسمية، لكنه يكشف شيئاً مهماً: زينب قيوح لم تعد تتحرك فقط في ظل اسم عائلي معروف، وإنما بدأت تبني لنفسها حضوراً سياسياً ومؤسساتياً خاصاً.
وهنا تظهر معادلة قد تكون ذات أهمية كبيرة مستقبلاً: عبد الصمد قيوح بخبرته الحكومية والبرلمانية وشبكة علاقاته، وزينب قيوح بحضورها داخل الجهة وقربها من الملفات المحلية.
إنه نوع من التكامل الذي يسمح للعائلة بالحضور في مستويين من القرار: الوطني والجهوي.
لماذا يبقى قيوح رقما صعبا؟
لأن الانتخابات في تارودانت الجنوبية لا تبدأ يوم الحملة الانتخابية.
هي تبدأ قبل ذلك بسنوات، داخل الدواوير، وفي لقاءات الفلاحين، وفي مشاكل الماء والطرق، وفي الملفات التي يحملها رؤساء الجماعات إلى الإدارات، وفي العلاقات التي تنسج بهدوء بعيداً عن المنصات الانتخابية.
وهنا يمتلك قيوح شيئاً لا يمكن شراؤه بإعلانات انتخابية: الزمن السياسي.
لقد عاش المنطقة سياسيا لسنوات طويلة، ويعرف أسماءها وتوازناتها وحساسياتها، كما تعرفه شبكات واسعة من المنتخبين والفاعلين المحليين. وهذا لا يعني أن الطريق أمامه ستكون مفتوحة أو أن النتيجة محسومة؛ الانتخابات لا تمنح ضمانات لأحد، وأي حديث الآن عن نتيجة نهائية سيكون مجرد توقع.
لكن منافس قيوح في تارودانت الجنوبية لن ينافس شخصا فقط.
سينافس اسما سياسيا قديما، وحضورا برلمانيا متراكما، وتجربة حكومية، وعلاقات داخل المجال المحلي، وامتداداً حزبياً، وفوق ذلك كله عاملا شديد الأهمية في السياسة القروية: أنه ابن المنطقة.
لأن اجتماع ثقة جزء من الفلاحين والأعيان، وشبكة المنتخبين، والحضور الحزبي، واستقطاب الشباب، والانتماء إلى المنطقة يمكن أن يصنع كتلة انتخابية ثقيلة في دائرة بحجم تارودانت الجنوبية.
وفي النهاية، قد تكون أقوى ورقة يحملها قيوح معه إلى الاستحقاقات المقبلة جملة واحدة يرددها مؤيدوه بمعان مختلفة:
«هذا ولد المنطقة ويعرف مشاكلها».
حينها فقط تتحول قرابة الأرض من مجرد انتماء عاطفي إلى قوة انتخابية.
ولهذا، وقبل أن تتضح اللوائح النهائية وتبدأ الحملات فعلياً، يمكن القول إن عبد الصمد قيوح يدخل حسابات تارودانت الجنوبية من موقع قوي، لكن الاختبار الحقيقي سيكون في قدرة منافسيه على تقديم بديل يقنع الهواريين بأنهم قادرون على منح المنطقة ما هو أكثر مما راكمه أحد أقدم الأسماء السياسية في دائرتها.
حجم الخط
+
-
4 دقائق للقراءة






